امين الحاج
حين تتحول الأوطان إلى رقاع شطرنج، ويُختزل مصير الشعوب في حسابات الغرف المغلقة، نصحو على حقيقةٍ مرّة: أن منطقتنا لم تعد ساحةً لصراع الأفكار، بل ميداناً لتصادم المشاريع. مشاريعٌ لا ترى في الجغرافيا العربية إلا غنيمةً مستباحة، ولا في الإنسان العربي إلا وقوداً لحروب النفوذ. تتعدد راياتها، وتختلف لغاتها، وتتناقض شعاراتها في العلن، لكنها تلتقي في الخفاء على مائدةٍ واحدة: مائدة تقسيم ما تبقى من جسد الأمة. ومن لا يقرأ الخريطة بعيونٍ مفتوحة، سيُقرأ عليه التاريخ وهو في غفلة. فهنا تُصنع الأقدار، وهنا تُذبح الأوطان بسكاكين "الأشقاء" و"الأعداء" على حدٍ سواء.
إن صراع المشاريع في منطقتنا ليس طارئاً عابراً، بل هو قانونها الثابت وقدرها المحتوم. وفي هذا الطور التاريخي الحرج، تتقاطع السيوف على رقعة العرب ثلاثة مشاريع كبرى، تتزين بأقنعة مختلفة لكنها تتغذى من جسدٍ واحد:
*المشروع الإيراني الصفوي بنسخته الجديدة*، *والمشروع التركي العثماني بأحلامه المستعادة*، *والمشروع الصهيوني التوسعي بأنيابه المكشوفة*.
تتصادم في الشعارات، وتتصارع على المغانم، لكنها تتهادن عند تقاطع المصالح، وتتحالف حين يقتضي الافتراس، ثم تعود لتتناهش السيادة على الجغرافيا العربية المستباحة. فالأرض كلأٌ مباح، والدم العربي وقودٌ رخيص في محرقة نفوذهم.
ولكل مشروعٍ ترسانته: جيوشٌ نظامية وميليشياتٌ عقائدية، بنوكٌ وشركاتٌ واجهاتٌ اقتصادية، منابرُ فكرية وحوزاتٌ ومنصاتٌ إعلامية تسبك الوعي وتزوّر التاريخ.
أدواتهم: دولٌ تابعة وأنظمةٌ وظيفية، أحزابٌ وجماعاتٌ وتياراتٌ تُدار بالريموت، مثقفون مأجورون وعمائم مستأجرة وأقلامٌ مرتهنة. سلاحهم: السرديات الكبرى والشعارات المقدسة والرموز المخادعة. أما *"نصرة القضية"* فهي جواد طروادة الذي تتسلل به الخيول إلى داخل الأسوار، فتُحتل العقول قبل أن تُحتل العواصم.
والفاجعة أن معظم العرب شعباً وحكوماتٍ قد زُجّ بهم في خنادق هذه المشاريع: هذا مجنّدٌ بالعقيدة، وذاك مموّلٌ بالدولار، والثالث مخدوعٌ بالشعار. جيوشٌ تتحرك بأوامر غير عربية، ودماءٌ تُسفك لترسيم خرائط لا نملكها. أما من تبقى من الدول، فبين مناورٍ يبحث عن النجاة، ومُوارٍ يتقي العاصفة، وغانمٍ يقتات على فتات الموائد.
ورغم كل هذا التناقض الظاهري، والصدام المسرحي، والعداوات المُعلنة، فإن بوصلة المشاريع الثلاثة تلتقي عند هدفٍ استراتيجي واحد لا تحيد عنه: *المملكة العربية السعودية*.
ليست المسألة نفطاً ولا جغرافيا فحسب. إنها استهدافٌ للمركز. فالسعودية ليست مجرد دولة كبرى، بل هي *عنوان العروبة الباقي، وقبلة الإسلام الجامعة، وبيضة القبان التي بوزنها يستقيم الميزان أو يختل*.
هي القلعة التي إن سقطت، سقطت آخر حصون الشرعية. والجدار الذي إن انهار، استُبيحت الأمة من محيطها إلى خليجها.
لذلك لا يكتمل مشروعٌ إقليمي إلا باختراقها، ولا ينال شرعيةً إلا على أنقاضها. فهي أول القلاع المستهدفة، وآخر القلاع الصامدة. ومن هنا تُفهم كل الحروب، وتُفسّر كل التحالفات، وتُكشف كل الأقنعة.
في نهاية المطاف، لسنا أمام خصوماتٍ عابرة ولا خلافاتٍ حدودية، بل أمام حرب وجود تستهدف القلب قبل الأطراف، والوعي قبل الأرض. فالمملكة العربية السعودية ليست مجرد جغرافيا محاطة بالمطامع، بل هي آخر ما تبقى من معنى "المركز" في زمن الشتات. هي الميزان الذي إن اختل، ضاع العرب وضاع الإسلام السياسي من محيطه إلى خليجه. ولذلك فإن معركتها ليست معركة حدود، بل معركة شرعية وتاريخ وهوية. فإما أن ندرك أن الدفاع عنها هو دفاعٌ عن آخر خيمةٍ تظلنا جميعاً، أو نستيقظ ذات صباحٍ على أمةٍ بلا قبلة، وعروبةٍ بلا عنوان. التاريخ لا يرحم الغافلين، والجغرافيا لا تحمي المتوهمين. *﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾*، فالحبل إن انقطع، سقطنا جميعاً في الهاوية.
*﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾*