تحقيق وتوثيق: هايل علي المذابي
عندما تضرب الحروب بيئة ما، لا تكتفي بتدمير البنية التحتية والمباني، بل تمتد لتهشيم البنية الثقافية والروحية للمجتمع. وفي قانون الطبيعة، إذا تغيرت البيئة تكون الكائنات أمام خيارات ثلاثة: الهجرة، التكيف، أو الانقراض.
في اليمن، فرضت الحرب على النخب الفنية والثقافية خيارات أحلاها مرّ. ومع انعدام شروط التكيف وتلاشي الدعم، برز نوع آخر من "الهجرة القسرية"؛ ليست الهجرة خارج الحدود الجغرافية فحسب، بل "الهجرة الداخلية" من ميادين الفن والفكر والمسرح إلى ميادين لقمة العيش القاسية وولوج عوالم المهن البسيطة. هجرة تسببت – بغياب الأسماء الوازنة – في صعود المفلسين ثقافياً وتفشي الابتذال وفساد الذوق العام.
في هذا التحقيق، نفتح ملف مأساة الممثل والمسرحي اليمني الذي أصبح يصارع شظف العيش وركود الفن، حاملاً غصته في قلبه وهو يمارس أدواراً حقيقية وقاسية على مسرح الحياة اليومية.
المسرح اليمني: من منارة الوعي إلى قاعات غبار "اللا ميزانية"
يستذكر مدير عام المسرح الوطني بوزارة الثقافة والسياحة بصنعاء، الفنان والممثل المسرحي أحمد المعمري، التاريخ المجيد لأبو الفنون قائلًا:
"كان المسرح اليمني منارةً للوعي منذ انطلاقته الأولى في عدن مطلع القرن الماضي، مروراً بفرق صنعاء وتعز القوية. كانت المنصة التي يُحاكم فيها الفساد ويُبنى من خلالها المجتمع. المسرح كان يجمعنا قبل أن تفرقنا السياسة والجغرافيا".
اليوم، تبدل الحال؛ تحولت المسارح العريقة إلى قاعات مغبرة وأطلال. يضيف المعمري بمرارة:
"المبدع اليمني اليوم يصطدم بجدار 'اللا ميزانية'، وتتردد نغمة 'لا توجد سيولة' كذريعة دائمة لقتل أي بذرة إبداع. أصبح الممثل الذي يهبنا الضحكة يطالب بأبسط حقوقه (أجره) فلا يجد إلا الوعود، وكأن الإبداع لا يحتاج إلى خبز! شكرًا للزملاء الذين يمثلون على خشبة الحياة أصعب الأدوار: دور الصامد في وجه الفقر".
من أستاذ للإخراج المسرحي.. إلى "نادل" في مطعم مضغوط!
تتجلى أقصى صور هذه المأساة في قصة الفنان المسرحي القدير سمير سعيد سيف (58 عاماً). سمير ليس مجرد هاوٍ، بل هو أستاذ الفن والتمثيل في معهد "جميل غانم" للفنون بعدن، وشغل منصب النائب التعليمي فيه، وهو موظف في مكتب وزارة الثقافة منذ عام 1993، وحاصل على البكالوريوس في الإخراج المسرحي من الكويت والدراسات العليا من العراق.
لم يتوقع سمير، ابن حي الشيخ عثمان الذي أنجب كبار الأدباء، أن يأتي عليه يوم يضطر فيه لتجسيد أقسى أدوار حياته: نادل (مباشر) في مطعم شعبي لبيع "المضغوط" في خور مكسر من الرابعة عصراً حتى منتصف الليل، ليعود بقوت يومه لأسرته المكونة من 7 أفراد.
تزامناً مع مشاركته مؤخراً في مسرحية "هاملت" باللهجة العدنية مع فرقة (خليج عدن) – بعد غياب للمسرح دام 3 سنوات – كان سمير يوفق بين بروفات المسرح الشاقة وعمله في المطعم. بكرامة وشموخ يتحدث الفنان سمير لصحيفة (اليمني الأميركي):
"الحرب محطة مدمرة، وتوجهت للعمل خارج الفن بوظيفة نادل، والعمل شرف وفخر لي. الفنان واحد من البشر العاديين، وخاصة في اليمن الذي يعاني من الحرب والجوع، ويحتاج رب الأسرة عملاً للإنفاق على أولاده.. أنا أبتسم أمام الزبائن بكل ثقة ودون تحرّج".
يتذكر سمير مواقف قاسية تعرض لها أثناء تقديم الطلبات للزبائن؛ فمنهم من يرمقه بنظرات سخرية لكونه فنانًا معروفًا، ومنهم من يلعن الحرب التي أوصلت قامة مثله إلى هذا الحال، بينما يغض آخرون أبصارهم حرجاً. ويختتم بحسرة:
"حياة الفنان ما بعد الحرب صعبة وقاسية، والفنان دائمًا مظلوم في بلد علاقته بالفنون محدودة.. الفن لم يعطني الكثير مما كنت أحلم به، بل أخذ مني صحتي ووقتي وأعصابي".
📄 السيرة المهنية للفنان سمير سيف:
• 1976 - 1982: البداية من المسرح المدرسي ولجان الدفاع الشعبي.
• 1982: التخرج من معهد جميل غانم للفنون الجميلة.
• 1986 - 1990: بكالوريوس إخراج مسرحي (الكويت).
• 1991 - 1992: دراسة التمثيل والإخراج (العراق).
• أبرز أعماله: مسرحيات (ماكبث، دنيا فالتو، يا بلاشاه، معك نازل، هاملت).
• الواقع الحالي: نادل في مطعم شعبي ليعيل أسرته.
"أبو شامة" .. من نجومية الشاشة إلى عربة "الآيسكريم"
قصة أخرى لا تقل وجعاً يرويها الروائي والمؤلف وجدي الأهدل عن الفنان الكوميدي والتلقائي القدير عبدالسلام زلعاط (مواليد 1965). زلعاط الذي رفد الدراما والمسرح اليمني على مدى 30 عاماً، وشارك في مسلسلات شهيرة مثل (كيني ميني، عيني عينك، مننا فينا، أنياب الشر، باقة ورد) ومسرحية (مريض الوهم) لموليير.
زلعاط، صاحب القلب النظيف ودماثة الأخلاق، الذي طالما ساعد زملائه وكان أول من قدم وجوهًا شابة للمخرجين (مثل الممثلة أماني الذماري)، واجه جحوداً فنياً وتهميشاً من المخرجين الذين حصروه في أدوار ثانوية دون الالتفات لموهبته الكوميدية الفذة.
وتحت وطأة الديون الملاحقة، ومطالبات المؤجر، ومتطلبات أولاده الأربعة، اضطر عبدالسلام زلعاط في السنوات الأخيرة لترك مهنة التمثيل نهائياً، والتجول بعربة لبيع "الآيسكريم" في الشوارع ليوفر لقمة العيش.
وفي مقارنة صادمة تعكس نظرة المجتمع وجحود المشهد الحالي، يشير الأهدل إلى أن قناة الفنان عبدالسلام زلعاط على يوتيوب لا تضم سوى (79 مشتركاً) فقط رغم تاريخه الممتد لثلاثة عقود، في حين تمتلك ممثلة مستجدة بعمر فني قصير جداً أكثر من (110 آلاف مشترك)؛ ما يوضح تفشي معايير "الحظ والابتذال" على حساب الموهبة والتاريخ؛ وصدق المثل: "الدنيا أرزاق، مش على البِكَّارة".
المزاجية، الشللية، وجحود "الموسم الواحد"
هذا الواقع المأساوي يفتح الباب على تساؤلات مشروعة حول البيئة الفنية الداخلية في اليمن، حتى في قطاعها الخاص.
1. معضلة العمل الموسمي والشللية
يفتح الكاتب والناقد خالد قيرمان النار على غياب المعايير المؤسسية، متسائلاً:
"من يحمي الممثل اليمني؟ من يؤمن له مصدر دخل في ظل احتكار العمل الموسمي؟ ما دور نقابة المهن التمثيلية والدولة في إنقاذ الممثل قبل أن يُجن؟".
ويؤكد قيرمان أن العمل الفني بات محصوراً في موسم رمضان فقط، وحتى هذا الموسم يتحكم فيه "السمسرة، والشللية، والاستقطاب والمزاجية" في اختيار النجوم وتجاهل الآخرين.
ويستدل قيرمان بشكاوى علنية أطلقها نجوم كبار ولهم رصيد فني لافت وعريض مثل الفنان محمد القطاع (بطل مسلسلات: حارس البحر، سد الغريب، تكتيك، عيني عينك) الذي أعلن مؤخراً أنه تم إقصاؤه تماماً من كل القنوات دون ذنب بعد أن كان آخر ظهور له كضيف شرف في مسلسل "لقمة حلال". وتكررت هذه المعاناة والشكاوى مع نجوم آخرين مثل: خالد مشوار، يحيى سهيل، وطارق ردمان.
ويختتم قيرمان بوصف لاذع لفئران الفساد المعشعشة في المرافق الثقافية والساحات الفنية، منتقداً صمت بعض النجوم المحظوظين حالياً عن تجاهل زملائهم المبدعين.
2. مقصلة النقد الهدام وخوف "المقص الرقابي"
من جانبه، يسلط الإعلامي فتحي بن لزرق الضوء على الجانب الآخر من المعاناة، وهي الضغوط النفسية والمجتمعية التي يتعرض لها الممثل اليمني، حيث يقول:
"مشكلة الممثل اليمني أنه يجلس سنة كاملة بلا شغل، والوقت الوحيد الذي يعمل فيه هو رمضان بغالباً عمل واحد بمبلغ بخس. وعادك لو تعرف كيف يمثلون؟ يغادر مدينته ويقرأ النص المعروض 45 ألف مرة احتراساً من أن يسبب له مشكلة أو ملاحقة أمنية في المدينة التي يعيش فيها".
ويتابع بن لزرق منتقداً النقد الفيسبوكي الجاهل:
"بعد كل هذا التعب، نصف الشعب يتحول إلى ناقد فني ومحلل للإضاءة والممثل، وتجد هذا الناقد مخزن 12 ساعة بركن الحافة ومدكي على حبة بلك.. فكونا من الانتقاد الأهبل الذي ماله قيمة".
الخلاصة: صرخة قبل الانقراض التام
إن هجرة المبدعين والمسرحيين في اليمن إلى المهن الدنيا هي إدانة صارخة للجهات المعنية، ونقابة المهن التمثيلية، والقنوات الفضائية التي دارت ظهرها لرموز صناعة الوعي. إن ترك القامات الفنية لبيع الآيسكريم أو العمل كأجراء في المطاعم ليس مجرد ضياع شخصي لهم، بل هو تجريف للهوية اليمنية، وفتح لأبواب الجهل والشتات والابتذال؛ فالإبداع لا يمكن تأجيله، والفن لا يُباع في سوق الأعذار.
ويبقى الشعار الخالد للمسرحيين معلقاً في أفق الإنعاش:
"أعطني خبزاً ومسرحاً.. أعطيك شعباً مثقفاً"