بقلم: عدنان زين خواجه
يُقال إن أخطر أنواع الظلم ليس ذلك الذي يمارسه المستبد بقوة سلطته، بل ذلك الذي يتحول مع مرور الزمن إلى واقع مقبول، بل ومبرر في نظر ضحاياه. وفي اليمن، تبدو هذه المفارقة حاضرة بوضوح في المشهد العام، حيث اختلطت مفاهيم الوطنية بالولاء للأشخاص، وتحولت الوظيفة العامة لدى كثيرين من وسيلة لخدمة المجتمع إلى بوابة للنفوذ والثروة.
لقد شهدت البلاد خلال عقود طويلة تراكمات من الفساد وسوء الإدارة، حتى أصبح الوصول إلى المنصب في نظر البعض فرصة استثنائية لتحقيق المكاسب الشخصية أكثر من كونه مسؤولية وطنية. وبينما تتراجع الخدمات الأساسية وتتفاقم الأزمات المعيشية، تتسع الفجوة بين واقع المواطن البسيط ومستوى الثراء الذي يظهر على عدد من المسؤولين السابقين والحاليين.
الوظيفة العامة بين الواجب والغنيمة
في الدول التي تحترم مؤسساتها، تُعد الوظيفة العامة تكليفاً يفرض على شاغلها أعلى درجات النزاهة والمساءلة. أما في البيئات التي تضعف فيها الرقابة والمحاسبة، فإن المنصب قد يتحول إلى أداة لتحقيق المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة.
ولهذا لم يعد مستغرباً أن ترتبط أسماء بعض المسؤولين بثروات ضخمة واستثمارات واسعة، في وقت يعاني فيه ملايين المواطنين من تدهور مستوى المعيشة وارتفاع معدلات الفقر والبطالة. وبينما يكافح المواطن لتأمين احتياجاته الأساسية، تتداول الأوساط الشعبية قصصاً عن إمبراطوريات مالية وتجارية نشأت في ظل السلطة والنفوذ.
الأخطر من ذلك أن هذه المنظومة لا تتوقف عند حدود الشخص ذاته، بل تمتد أحياناً إلى الأبناء والأقارب وشبكات المصالح، بما يشبه توريث النفوذ والثروة داخل دائرة ضيقة، بينما يبقى الوطن خارج معادلة الاستفادة من موارده.
بين رجال الدولة وصنّاع الأساطير
تُخلّد الأمم قادتها الحقيقيين بما قدموه من إنجازات وخدمات لشعوبهم، لا بما امتلكوه من ثروات أو نفوذ. والتاريخ مليء بنماذج لقادة رحلوا تاركين وراءهم سجلاً من العمل العام أكثر مما تركوا من الممتلكات الشخصية.
غير أن المفارقة اليمنية تكمن أحياناً في أن بعض الشخصيات التي ارتبطت أسماؤها بالفساد أو سوء الإدارة تحظى بعد رحيلها أو خروجها من السلطة بحالة من التقديس الشعبي والإعلامي، وكأن ذاكرة المجتمع تتجاوز تلقائياً حجم المعاناة التي عاشها الناس في ظل تلك المراحل.
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن لشعب أنهكته الأزمات أن يستمر في صناعة الرموز من الشخصيات ذاتها التي يُحمّلها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع؟
جنازات رسمية وذاكرة غائبة
تبلغ المفارقة ذروتها عندما يُشيّع بعض المسؤولين بمراسم رسمية مهيبة، تُرفع خلالها الأعلام وتُطلق التحايا العسكرية وتُلقى كلمات الإشادة والثناء، في مشهد يوحي بأن الراحل كان أحد أعمدة البناء الوطني.
لكن خلف هذه المشاهد الاحتفالية يبقى السؤال الأخلاقي معلقاً: هل تكفي المناصب والألقاب لتمنح صاحبها صفة الوطنية، أم أن المعيار الحقيقي يجب أن يكون حجم ما قدمه للوطن وما حافظ عليه من حقوق الناس وأموالهم؟
فالوطنية ليست لقباً يُمنح، ولا وساماً يُعلّق على الصدور، بل سلوك وممارسة ومسؤولية تجاه الشعب والدولة.
أزمة وعي قبل أن تكون أزمة إدارة
قد تمتلك اليمن موارد طبيعية وموقعاً جغرافياً مهماً وإمكانات بشرية كبيرة، إلا أن التحدي الأعمق يكمن في ترسيخ ثقافة المساءلة والمحاسبة. فالمجتمعات التي تخلط بين الولاء للأشخاص والولاء للوطن تجد نفسها عاجزة عن محاسبة الفاسدين أو التمييز بين رجل الدولة الحقيقي ومن استغل موقعه لتحقيق مصالحه الخاصة.
إن أي مشروع للنهوض الوطني يبدأ من إعادة الاعتبار لقيمة المسؤولية العامة، ومن ترسيخ مبدأ أن المنصب خدمة لا امتياز، وأن المال العام أمانة لا غنيمة.
فالسارق يبقى سارقاً مهما أحاط نفسه بالشعارات، والوطن لا يُبنى بتمجيد الأفراد، بل بإعلاء قيم العدالة والنزاهة وسيادة القانون.