في ليالي الوطن الطويلة، حين تنطفئ الكهرباء وتغرق المدن في الظلام، لا يسمع الناس سوى صوت المعاناة وهي تتسلل إلى البيوت المتعبة، وتجالس المرضى والأطفال وكبار السن.
هناك، حيث يصبح الضوء حلما بسيطا، والماء أمنية يومية، يدرك الإنسان أن الأوطان لا تحتاج إلى مزيد من الضجيج، بل إلى عقول تبحث عن الحلول، وقلوب تؤمن أن خدمة الناس أعظم من أي خلاف أو اصطفاف.
لقد أنهكتنا سنوات الجدل والانقسام، واستنزفت مواقع التواصل أعصاب الناس بمعارك لا تنتهي، حتى أصبح البعض يدافع عن الأشخاص أكثر مما يدافع عن الوطن نفسه.
لكن الحقيقة التي يجب أن ندركها جميعاً هي أن المواطن اليوم لا يريد خطابات متبادلة ولا سجالات عقيمة، بل يريد كهرباء مستقرة، ومياها تصل إلى بيته، وخدمات تحفظ له كرامته الإنسانية.
لقد جاء عيد الأضحى هذا العام مثقلا بالهموم، فلم يشعر كثير من الناس بفرحة العيد كما ينبغي، في ظل موجة الحر القاسية والانقطاع الطويل للكهرباء وارتفاع أسعار المعيشة.
ولم يتمكن كثير من المواطنين من حفظ لحوم الأضاحي بسبب غياب التبريد، فلم يستفيد الناس إلا من جزء يسير منها، بينما تلفت كميات كبيرة من الذبائح وأصبحت طعاما للكلاب والقطط والغربان، في مشهد مؤلم يكشف حجم المعاناة التي يعيشها المواطن في مختلف المدن.
ولم تقف الأزمة عند هذا الحد، بل إن ارتفاع درجات الحرارة تسبب في حالات إعياء ووفيات في عدد من المناطق، خصوصا مع استمرار انقطاع الكهرباء وغياب أبسط الخدمات الأساسية.
أما الثلج، الذي كان في يوم من الأيام متاحا للجميع، فقد تحول اليوم إلى حلم يطارده المواطن بعد الارتفاع الكبير في أسعاره، حتى أصبح الحصول على قطعة ثلج بالنسبة لبعض الأسر معركة يومية في مواجهة الحر والعطش.
إن مشكلة الكهرباء في المناطق المحررة تحولت إلى معاناة يومية تمس حياة الجميع دون استثناء.
ولهذا فإن المرحلة اليوم تحتاج إلى الهدوء، وإلى تغليب صوت العقل، والابتعاد عن لغة التخوين والتعصب والانتصار للأشخاص والمناطق.
وهنا يبرز تساؤل مهم يستحق أن يُطرح بكل شفافية وهدوء...
هل أزمة الكهرباء تكمن فقط في نقص الوقود؟
أم أن هناك أسبابا أخرى تتعلق بالمعدات الثقيلة ومحطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع والصيانة المتراكمة منذ سنوات؟
هذا التساؤل بحاجة إلى إجابة واضحة من المختصين وأهل الخبرة، لأن الناس من حقها أن تعرف الحقيقة كاملة، ومن حق الجميع أن يفهم جذور المشكلة حتى نستطيع المشاركة في البحث عن حلول واقعية ومنطقية لهذه الأزمة التي أرهقت حياة المواطنين وأثقلت كاهل الوطن لسنوات طويلة.
علينا أن نسأل أنفسنا بصدق...
كيف يمكن أن نخرج من هذه الأزمة؟
كيف نستثمر الطاقات والخبرات والعقول لإيجاد حلول مستدامة؟
وكيف نحول معاناة الناس إلى دافع للعمل بدلا من تحويلها إلى مادة للخلاف والانقسام؟
ربما تكون البداية في التوسع بمشاريع الطاقة البديلة، وتشجيع الاستثمار في الطاقة الشمسية، وتنظيم الجباية بشكل عادل، ومحاربة الفساد والهدر، وإشراك الكفاءات والخبراء في وضع حلول حقيقية بعيدا عن المجاملات والشعارات البراقة.
فالأزمات لا تُحل بالصراخ، بل بالتخطيط والإدارة والعمل الجماعي.
لسنا بحاجة إلى التصفيق لأي مسؤول، ولسنا بحاجة أيضا إلى تحويل كل قضية إلى معركة مناطقية.
ما نحتاجه فعلا هو أن يكون الوطن فوق الجميع، وأن تكون مصلحة الناس هي البوصلة التي نتفق عليها جميعا.
إن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة وعي جديد، نغادر فيها ثقافة الانقسام، ونتجه نحو ثقافة التعاون والتفكير والبناء.
فالكهرباء ليست قضية منطقة، والماء ليس قضية فئة، والخدمات ليست ملكا لأحد، بل حق لكل مواطن يعيش على هذه الأرض الطيبة.
فلنهدأ قليلا…
ولنمنح عقولنا فرصة للتفكير…
ولنجعل حديثنا عن الحلول أكثر من حديثنا عن الخلافات.