عندما يبلغ الإنسان عمرا يتجاوز القرن لا شك أنه يخلد في الذاكرة المعرفية الواعية إذا كان له دورا في تنمية الفكر الإنساني أو إنسانية الفكر المفقود الذي حجبته أنانية المعتقدات وعنفها وانتهازية العلوم واستغلالها .
وأخيرا ترجل الفيلسوف إدغار مورغان يوم الجمعة 29 مايو 2026 في باريس عن عمر ناهز 104 أعوام بحسب ما أكدته زوجته ونشر في وسائل الإعلام الفرنسية والدولية.
رحل بعد مسيرة فكرية امتدت لأكثر من ثمانية عقود وأصبح خلالها أحد أبرز المفكرين الفرنسيين في القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.
وقد ارتبط اسمه بمفهوم الفكر المركب الذي سعى من خلاله إلى تجاوز التجزئة بين العلوم وربط المعرفة الإنسانية في إطار واحد متكامل.
ويقابل الفكر المركب في حضارتنا الإسلامي العالم الموسوعي وهو الذي يتناول الموضوع من عدة مجالات دون تخصص ضيق يقتل المعرفة ويجردها من بانسانيتها ويمنع فهمها بشمولية بمعنى تجزئة العقل يعني معه تجزئة المعرفة وفصلها عن بعضها يعني تجريدها عن قيمها أي فصل بين الفضيلة والمعرفة والسلوك والتنمية.
والمفارقة اللافتة أن كتاب العلم والوعي يمثل جوهر رسالته الفكرية الأخيرة إذ ظل حتى سنواته الأخيرة يدعو إلى إصلاح الفكر الإنساني و بناء حضارة تجمع بين العلم والمسؤولية الأخلاقية وبين المعرفة والوعي بالمصير الإنساني المشترك.
ولو أردت إعداد دراسة أكاديمية معمقة عن كتاب العلم والوعي بعد وفاة موران فإن من الجميل أن
تأتي قراءة كتاب العلم والوعي اليوم في سياق خاص بعد رحيل ؛ سياق الحكمة التي نحن في عالمنا العربي نفتقدها على الرغم من كمال قيمنا وشمولية معارفنا وجمالية إنسانيتنا.
هذا المفكر الذي كرس حياته لبناء نظرية الفكر المركب فكر المثقف الذي ينظر من منهجية الكلي إلى منهجيات الجزئيات أو يصعد تجميع الجزئيات إلى الكلي وفي المنهجيتين يحاول الإنسان العالم بأصولية المنهج البحث عن الكمال.
لقد طالب بتجاوز التجزئة المعرفية التي طبعت الحداثة الغربية وخصوصا المنهجية الفرنسية التي فصلت الجزئيات وحاولت تناول الفكر الإنساني من زاوية التجريب والمعرفة وارتكزت على علم النفس الذي زاد من أدواء الأمراض النفسية والارفاء بالتحليل والتفصيل والكهانة النفسية دون أي أي وعي بحقيقة الإنسان الذي قسمه القرآن إلى ثلاثة انواع وأقسم بالنفس اللوامة التي هي غالبة في الطبيعة الإنسانية.
لذلك يعد هذا الكتاب وثيقة فكرية تلخص المشروع الحضاري الذي ناضل من أجله طوال أكثر من ثمانين عاما من الإنتاج الفكري.
وقد اكتسبت أفكاره بعد رحيله قيمة إضافية بوصفها إرثا فلسفيا يسعى إلى إعادة وصل العلم بالإنسان والمعرفة بالأخلاق.
ويعد كتاب- Science avec conscience -العلم والوعي) أحد النصوص المؤسسة في المشروع الفكري لإدغار موران وهو مشروع لا يقتصر على نقد العلم الحديث وإنما يتجاوز ذلك إلى إعادة بناء العلاقة بين المعرفة والإنسان والمجتمع والحضارة وهذا لب ما يهدف اليه عقلية المنهج ومنهجية الواقع والنص والممارسة.
وينتقد الكتاب الصورة التي تشكلت عن العلم منذ القرن السابع عشر بعد أن تحولت إلى نموذج معرفي قائم على الفصل والتخصص والتجزئة حتى أصبح عاجزا عن إدراك التعقيد الذي يميز الظواهر الإنسانية والاجتماعية والطبيعية.
وينطلق موران من ملاحظة تاريخية أساسية مفادها أن الحضارة الحديثة حققت تقدما علميا وتقنيا إلا أن هذا التقدم لم يؤد إلى تقدم مواز في الحكمة أو الوعي الإنساني.
وهنا يرى أن العلم العلم أوجد أدوات الحياة وأدوات الموت وفتح مجالات واسعة للمعرفة النافعة والضارة حتى انه بدون ضوابط ومحددات أصبح كالخمر ضره اكبر من نفعه مما ساهم على خلق أشكال جديدة من السيطرة والتبعية والهيمنة الفكرية والثقافية والحضارية .
وبقي تساؤله الفكري .. كيف يمكن إعادة ربط العلم بالوعي بحيث يصبح العلم قادرا على التفكير في ذاته وفي نتائجه وفي مسؤوليته الحضارية؟
وهنا يرى موران أن الأزمة الحقيقية ليست أزمة العلم بقدر ما هي أزمة العقل العلمي ذاته أي أزمة في المنهج؛ هذا المنهج الذي تتلوكه الجامعات العربية ومع هذا تزداد تخلفا ، وبهذا فإني أرى أنه ميز بين منهجية ومعرفية غربية تسعى للهيمنة والتبعية بأدوات العلم وقوته كما في فلسفة القوة لنيتشه ومنهجية التبعية والتقليد كما في العالم العربي والإسلامي وهو ما أشار اليه ابن خلدون.
هذه المنهجية في عالمنا العربي حاولت بايدلوجياته الوافدة تغيير الإنسان من خارج القيم وبقيت أخرى بينما سعت الايدلوجيات التقليدية تغييره من داخل قيمه بمعنى أن الأولى سعت لسلبه والثانية لاستلابه وكلها تحت مظلة التخصص العلمي.
وقد تأسس هذا العقل على مبدأ الاختزال أي رد الظواهر المركبة إلى عناصر بسيطة وعلى مبدأ الفصل الذي يقسم الواقع إلى تخصصات مستقلة وعلى مبدأ الحتمية الذي يفترض إمكانية تفسير كل شيء من خلال قوانين ثابتة.
وقد نجحت هذه المبادئ في دراسة العديد من الظواهر الطبيعية لكنها فشلت عندما انتقلت إلى دراسة الإنسان والمجتمع والثقافة.
فالإنسان عنده ليس فقط كائن بيولوجي أو نتاج اجتماعي أو اقتصادي أو نفسي وإنما هو وحدة معقدة تتفاعل فيها الأبعاد البيولوجية والثقافية والرمزية والتاريخية وأعقد حيوان لا يمكن فهمه بالعلم وحده .
ومن هنا تتبلور فكرة التعقيد التي تعد حجر الزاوية في فكره والتعقيد لا يعني الغموض أو الفوضى، وإنما يعني الاعتراف بأن الواقع يتكون من عناصر مترابطة ومتداخلة لا يمكن فهمها بالعزل أو التجزئة.
ومن ثم توصل إلى أن المعرفة الحقيقية هي التي تكشف طبيعة العلاقات التي تربط بين الظواهر واسبابها وتحولاتها.
ومن ثم فهو يرفض النموذج المعرفي الذي يبحث عن اليقين المطلق لأن المعرفة الإنسانية تظل معرفة نسبية ومفتوحة على المراجعة والتصحيح.
ويتجلى البعد الفلسفي للكتاب في نقده لمفهوم الموضوعية العلمية حيث أنه لا ينكر أهمية الموضوعية ولكنه يرفض اعتبار العالم مراقبا محايدا يقف خارج موضوعه وهو ما نشير اليه بالتحيز المنهجي وهذه حقيقة موجودة في الغرب عندما يتحدث في المؤتمرات أو في الثقافة العامة يتحدث من مركزيته المطلقة ومن تاريخه وتجربته وحكمه ومعاييره.
لكن العالم الإسلامي في أسمى حضاراته كانت الموضوعية دينا وأخلاقا ومبدأ وشرفا وهنا تأتي المفارقة حيث أصبح المتعلم العربي نسخة أخرى من الآخر لا يدين دين الموضوعية ولا عدلها وصدقها وهذا ينعكس بالضرورة على أخلاق المثقف حيث أن من يفقد الموضوعية يفقد شرفه.
ويرى موران ان العالم د جزء من المجتمع والثقافة والتاريخ ومعرفته تتأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالشروط التي ينتج فيها العلم ويقصد هنا العلم المكتسب بينما نحن نتميز بالعلم الأصولي في اسلامنا وهو ما يجعلنا أكثر حيادا في الحكم بل إن منهجنا تقتضي مقاربة العدل ولو أدى إلى مفارقة الأهل .
ولذلك فإن الوعي العلمي لا يقتصر على دراسة الظواهر ولكنه يشمل أيضا دراسة الشروط التي تجعل هذه الدراسة ممكنة ودراسة المداخل والاطر والمجالات.
وهنا يقترب موران من التقاليد الإبستمولوجية التي مثلها غاستون باشلار و توماس كون مع احتفاظه بخصوصيته القائمة على فكرة التعقيد.
ويلاحظ موران أن التخصص العلمي رغم ضرورته فقد أدى إلى ما يشبه العمى المعرفي لأن كل تخصص أصبح ينتج خبراء يمتلكون معرفة دقيقة بجزء صغير من الواقع لكنهم يفقدون القدرة على رؤية الصورة الكلية.
ونتيجة لذلك نشأت مفارقة حديثة تتمثل في ازدياد المعرفة الجزئية بالتوازي مع تراجع الفهم الشامل.
وهذه المفارقة هي التي دفعته لتبني فلسفة الإصلاح الجذري للتعليم والبحث العلمي بحيث يقوم على الربط بين التخصصات وليس فصلها.
ولا يتوقف نقد موران عند حدود المعرفة بل يمتد إلى الحضارة الحديثة ذاتها إذ يرى أن التقدم التقني أوجد أوهاما جديدة أهمها الاعتقاد بأن النمو الاقتصادي والتطور التكنولوجي قادران وحدهما على حل مشكلات الإنسان.
غير أن القرن العشرين أثبت العكس فقد شهد أعظم الإنجازات العلمية وأعظم الحروب والكوارث في الوقت نفسه.
وهذا يدل على أن التقدم العلمي لا يضمن التقدم الأخلاقي أو الإنساني تلقائيا.
ومن أهم أطروحات الكتاب أن العلم أصبح قوة سياسية واقتصادية كبرى.
فالبحث العلمي لم يعد نشاطا معرفيا خالصا وإنما أصبح مرتبطا بالمؤسسات والدول والشركات والأسواق ولذلك فإن إنتاج المعرفة يتأثر بموازين القوة والمصالح والاستراتيجيات.
ومن هنا يدعو موران إلى تطوير أخلاقيات جديدة للعلم تجعل المسؤولية جزءا من العملية العلمية نفسها وليس اعتبارها عنصر خارجي يضاف إليها بعد إنتاج المعرفة.
كما يربط موران بين أزمة العلم وأزمة التربية وير ان النظم التعليمية الحديثة تعلم التخصص لكنها لا تجيد الربط المنهجي وتنتج خبراء اشبه بالآلات لكنها لا توجد مفكرين قادرين على فهم العالم في كليته.
ومن ثم فإنه يدعو إلى إصلاح معرفي يبدأ من المدرسة والجامعة ويقوم على تعليم التفكير المركب أو عقلية الموسوعي في منهجيتنا الإسلامية ؛ أي القدرة على الجمع بين التحليل والتركيب وبين الجزء والكل وبين المحلي والعالمي وبين اليقين واللايقين
واذا نظرنا إلى منهجيته سنجد فيه صورة الإمام الشاطبي في المقاصد الشرعية إلا أن الشاطبي أسس قواعد كلية منهجية يمكن تطبيقها من خلال محدداتنا الأصولية بينما ظل موران يبحث عن هذه المنهحية في التجربة والواقع والتاريخ والفكر الانساني ويقدمها في كحركة علمية بعثية وايقونة حضارية في طرائق المنهج الذي يؤسس لحضارة انسانية ويهذب الحضارة المادية المعاصرة حضارة التفاهة واللذة المتوحشة.
وإذا نظرنا إلى الكتاب من منظور معاصر سنجد أن أفكاره تراهن على اليقظة الفكرية ، فالقضايا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية والتغير المناخي والأوبئة العالمية تؤكد أن المشكلات الكبرى ليس لها حلولا من داخل التخصصات العلمية.
إنها مشكلات مركبة تتطلب تعاونا بين العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية والأخلاقية بمعنى آخر تحتاج إلى منهجية مركبة وهذا ما يجعل مشروع موران أحد أكثر المشاريع الفكرية قدرة على إثارة قضايا واشكالات تحديات القرن الحادي والعشرين.
ومع ذلك لا يخلو الكتاب من بعض المآخذ؛ فمفهوم التعقيد عنده يتوسع احيانا مما يجعل حدوده النظرية غير واضحة تماما كما أن دعوته إلى تجاوز التخصصات لا تقدم آليات عملية دقيقة لتحقيق هذا الهدف داخل المؤسسات الأكاديمية القائمة.
ولكن هذه الملاحظات لا تقلل من القيمة الفكرية الكبرى للكتاب لأنه نجح في نقل النقاش من سؤال كيف ننتج المعرفة؟ إلى سؤال آخر و هو كيف نجعل المعرفة أكثر إنسانية واكثر قدرة على فهم تعقيدات العالم ؟.
إن العلم والوعي لا يحصر في كتاب في فلسفة العلم وإنما بجب النظر اليه كمشروع نقدي لإعادة بناء العقل المعاصر و تجاوز الانقسام بين العلم والإنسان وبين المعرفة والأخلاق وبين التخصص والفهم الشامل.
وأرى أن الكتاب يعد محاولة منهجية لإعادة تأسيس الثقافة الحديثة على قاعدة جديدة تجعل من العلم أداة للتحرر الإنساني بدلا من أن يكون وسيلة للسيطرة التقنية على العالم.
وس يبقى هذا العمل أحد أهم النصوص التي ساهمت في بلورة فلسفة التعقيد وقرع مسامع وعينا للتفكير في مستقبل المعرفة والحضارة .
فهل يستطيع المثقف العربي المعاصر أن يجدد منهجيته الحضارية الإنسانية أم أنه سيبقى ضمن مسلسلات هابطة وتفاهات تزيد من تقزيمه أو تقعره ب ادعاء المنهجية التي جعلته في الحقيقة موضوعا لها بدلا من أن يتخذه وسيلة للخروج من انحطاطه وتخلفه.