القات… ذلك الضيف الثقيل الذي يدخل بيوت الناس كل مساء دون استئذان، يبتسم للجميع في البداية كعاشقٍ قديم، ثم يترك خلفه جيوبا فارغة ووجوها أنهكها التعب وانتظار الفرج.سنوات طويلة والحكومات تحاول أن تضع بين المواطن والقات أسوارا من الضرائب والرسوم، وكأنها تراهن على أن العاشق قد يهجر معشوقه لمجرد أن مهره ارتفع قليلا، لكن الواقع أثبت أن الحكاية أعمق من مجرد زيادة في الأسعار، فالمولعون والمدمنون بالقات لم يتراجعوا، بل ازداد تعلقهم به رغم الأعباء المتزايدة.وبدلا من أن تحقق الضرائب الهدف المعلن منها، وجد المواطن نفسه يدفع تكاليف إضافية فوق معاناته اليومية، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة وارتفاع مستمر في الأسعار وتراجع الخدمات الأساسية. فالتجربة أثبتت أن من اعتاد على القات لا يمكن أن يتوقف بسهولة بسبب زيادة ضريبية، ولذلك لم تنخفض نسبة التخزين كما كان متوقعا، بل بقي الإقبال قائما وربما بصورة أكبر.
وانا اتذكر ومعي الكثير من الناس هنا بعض المواقف القديمة التي كانت تتعامل مع هذه الظاهرة من زاوية اجتماعية وأخلاقية قبل أن تكون مجرد قضية جباية وضرائب.
ففي أيام الرئيس الشهيد سالم ربيع علي سالمين يُروى أن إحدى النساء ذهبت تشكو زوجها لأنه كان يبيع الراشن أو قوت أطفاله الذي يستلمه من المؤسسة الاستهلاكية، فقط ليشتري القات. وعندما وصلت القضية إلى سالمين، أمر بسجن الرجل، وأخذ عليه تعهدا بعدم تكرار ما فعله بحق أسرته وأولاده.
كانت الرسالة يومها واضحة حماية الأسرة ولقمة العيش أهم من أي عادة تستنزف الإنسان وكرامته. وبسبب هذه الحادثه فكرت السلطه حينها أن تدرس موضوع قانون تنظيم دخول القات إلى المدن الرئيسيه ومنع تناوله الا خلال يومي الخميس والجمعه أما اليوم، فقد تحولت القضية إلى دائرة مفتوحة يدفع ثمنها المواطن البسيط وحده، دون حلول حقيقية تعالج أصل المشكلة.
وهنا يبرز السؤال الذي يردده الناس باستمرار أين تذهب هذه الضرائب؟
فإذا كانت هذه الأموال لا تنعكس على التنمية أو تحسين حياة المواطنين، فما الجدوى من استمرار سياسة لم تحقق الردع ولم تحقق الفائدة العامة؟
لقد أصبح من الضروري إعادة النظر في السياسة الضريبية الخاصة بالقات، بعيدا عن القرارات التي تثقل كاهل المواطن دون نتائج ملموسة. فالمواطن البسيط لم يعد يحتمل مزيدا من الأعباء، بينما يواصل دفع آلاف الريالات يوميا للحصول على القات، في مشهد يستنزف دخل الأسرة ويؤثر على مستقبل الأجيال القادمة.
وربما أصبح من الأفضل تخفيف العبئ الضريبي بدلا من مضاعفته، حتى لا يتحول الأمر إلى وسيلة لاستنزاف المواطن دون أي مردود حقيقي على الدولة أو المجتمع. فالمشكلة لا تُعالج بالجباية وحدها، بل تحتاج إلى مشروع وطني متكامل يبدأ بالتوعية، وتوفير فرص العمل، ودعم الأنشطة البديلة للشباب، وتحسين مستوى المعيشة، لأن المجتمعات لا تتغير بالضرائب فقط، وإنما ببناء وعي حقيقي وحياة كريمة تحفظ للإنسان صحته وكرامته ومستقبله.