آخر تحديث :الإثنين-01 يونيو 2026-05:42م

حضرموت ترفض استنساخ التجارب الدخيلة.. هل نحتاج حقًا إلى دار للمعنفات؟

الإثنين - 01 يونيو 2026 - الساعة 11:19 ص
محمد بن عقيل



كتب | محمد بن عقيل


أثارت الدعوات إلى إنشاء دار لإيواء المعنفات في حضرموت نقاشًا واسعًا بين أبناء المجتمع، بين من يرى فيها وسيلة لحماية المرأة من الظلم والعنف، وبين من ينظر إليها باعتبارها مشروعا لا ينسجم مع طبيعة المجتمع الحضرمي وقيمه الدينية والاجتماعية الراسخة.


ولا خلاف بين اثنين على أن الإسلام حرم الظلم بكل أشكاله، سواء وقع على المرأة أو الطفل أو الرجل، وجعل العدل أساس العلاقات الأسرية والاجتماعية. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ

وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]. كما قال النبي ﷺ: "اتقوا الله في النساء".


لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هل يحتاج المجتمع الحضرمي فعلا إلى دار إيواء للمعنفات، أم أن لديه منظومة اجتماعية وأسرية قادرة على معالجة هذه المشكلات بطرق أكثر انسجاما مع قيمه وهويته؟



تتميز حضرموت منذ قرون بترابطها الأسري والاجتماعي، حيث لا تقف المرأة وحيدة عند وقوع أي مشكلة أسرية. فإذا تعرضت لخلاف مع زوجها أو تعرضت لأي إساءة، فإن بيت أهلها يظل مفتوحًا لها، ويحفظ كرامتها ويصون مكانتها.


كما أن وجود الأعمام والأخوال والأجداد والجدات

وسائر أفراد الأسرة الممتدة يشكل شبكة حماية اجتماعية طبيعية، إضافة إلى دور الوجهاء والعلماء وأهل الخير في الإصلاح بين الناس وحل النزاعات الأسرية.


ولهذا يرى كثير من أبناء حضرموت أن معالجة المشكلات الأسرية ينبغي أن تنطلق من داخل الأسرة والمجتمع، لا من خلال نماذج مستوردة قد لا تراعي خصوصية البيئة الحضرمية.



إن رفض بعض أبناء المجتمع لفكرة دار الإيواء لا يعني القبول بالعنف أو التهاون مع الظلم، بل على العكس تماما؛ فالجميع متفق على ضرورة حماية المرأة والطفل وردع المعتدي ومساندة المظلوم.


غير أن الاعتراض يتركز على الوسيلة المطروحة، ومدى توافقها مع طبيعة المجتمع المحلي وقيمه الدينية والاجتماعية. فالمجتمعات ليست متشابهة، وما قد يصلح في بيئة معينة ليس بالضرورة أن يكون مناسبًا لبيئة أخرى تختلف في ثقافتها وبنيتها الأسرية.



إن أبناء حضرموت يعتزون بهويتهم الإسلامية والمحافظة، وهي هوية تشكلت عبر قرون من الالتزام بالدين والعلم والعادات الأصيلة. ولذلك فإن أي مشروع اجتماعي جديد يجب أن يراعي هذه الخصوصية وأن يخضع لنقاش مجتمعي واسع يشارك فيه العلماء والمختصون والوجهاء وأبناء المجتمع.


فالمطلوب ليس استنساخ تجارب الآخرين، وإنما البحث عن حلول تنطلق من الواقع الحضرمي وتحافظ على تماسك الأسرة واستقرار المجتمع، مع ضمان الحماية الكاملة لكل امرأة أو طفل يتعرض للظلم أو الأذى.




إن مكافحة العنف واجب شرعي وأخلاقي لا يختلف عليه أحد، لكن الخلاف يدور حول الوسائل والآليات المناسبة لتحقيق هذا الهدف. ومن حق المجتمع الحضرمي أن يناقش أي مشروع يمس بنيته الاجتماعية وقيمه الدينية، وأن يبحث عن الحلول التي تجمع بين حماية المظلوم والحفاظ على هوية المجتمع وتماسك الأسرة.


ويبقى الأساس الذي لا خلاف عليه هو قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾، فالعدل والحماية وصيانة الكرامة مسؤولية الجميع.


*#محمد_بن_عقيل*