اليمن..... أولاً
في السياسة، لا تكون الأحداث المهمة دائماً هي الأحداث المؤكدة، بل أحياناً تكون ردود الأفعال على حدث غير مؤكد أكثر دلالة من الحدث نفسه. وهذا ما ينطبق إلى حد كبير على الجدل الذي أثير حول قضية إلغاء تأشيرة أحمد الميسري أثناء وجوده في مطار مسقط متجهاً إلى المملكة العربية السعودية للمشاركة في تقديم واجب العزاء.
فبعيداً عن صحة الخبر من عدمها، وبعيداً عن الروايات المتضاربة التي ما زالت تتناقلها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، فإن هناك حقيقة سياسية برزت بوضوح لا يمكن تجاهلها، وهي حجم التفاعل الشعبي والإعلامي والسياسي الذي رافق القضية منذ اللحظة الأولى.
لقد تحولت الواقعة خلال ساعات إلى قضية رأي عام داخل الأوساط اليمنية. مئات الصفحات الإخبارية، وآلاف التعليقات والمنشورات، وعشرات التحليلات السياسية تناولت الخبر بالنقاش والقراءة والتفسير. وهذا بحد ذاته مؤشر سياسي مهم، لأن الأحداث لا تكتسب هذا الحجم من الاهتمام إلا عندما تكون مرتبطة بشخصية تمتلك وزناً حقيقياً في الوعي الجمعي وفي المشهد السياسي.
في العادة تمر عشرات الأخبار المتعلقة بشخصيات سياسية دون أن تثير اهتماماً يذكر، لكن ما حدث مع أحمد الميسري كان مختلفاً. فالقضية لم تكن قراراً سياسياً معلناً، ولم تكن مواجهة سياسية مباشرة، ولم يصدر بشأنها أي توضيح رسمي حاسم، ومع ذلك تصدرت النقاش العام بصورة لافتة.
وهنا يبرز السؤال الأهم: ماذا لو كانت الواقعة مؤكدة بشكل رسمي؟ وماذا لو تحولت من مجرد تسريبات إعلامية إلى موقف سياسي معلن؟ كيف سيكون حجم التفاعل حينها؟
إن ما حدث يقدم إجابة واضحة لكل من كان يتساءل عن حجم أحمد الميسري ومكانته في المشهد اليمني. فالرجل، سواء اتفق معه البعض أو اختلفوا معه، ما زال يمتلك قدرة استثنائية على استقطاب الاهتمام وتحريك النقاش العام وإثارة التفاعل الشعبي والسياسي.
بل إن هناك بعداً آخر يستحق التوقف عنده. فإذا افترضنا جدلاً أن جهة ما أرادت أن تختبر الوزن الحقيقي للميسري في الشارع اليمني، فإن نتيجة الاختبار ظهرت سريعاً من خلال حجم التعاطف والتفاعل والاهتمام الذي صاحب القضية.
أما إذا كان الهدف ــ نظرياً ــ هو اختبار مدى استعداد أحمد الميسري للقبول بالإهانة السياسية أو الضغط المعنوي أو التراجع عن قناعاته تحت تأثير مثل هذه المواقف، فإن قراءة شخصية الرجل ومسيرته السياسية توحي بأن هذا التقدير قد يكون بعيداً عن الواقع. فالميسري، بحسب ما عرف عنه خلال السنوات الماضية، لم يبن حضوره السياسي على المناصب ولا على الامتيازات، وإنما على مواقف دفع أثمانها السياسية والشخصية في أكثر من محطة.
ولهذا فإن من يقرأ المشهد بعين سياسية يدرك أن القضية لم تكشف فقط حجم التفاعل مع الميسري، بل كشفت أيضاً أن الرجل لا يزال يمثل حالة سياسية قائمة بذاتها، وأن حضوره في الوعي اليمني أكبر من أن يُقاس بموقع رسمي أو بإجراء إداري أو حتى بخلاف سياسي عابر.
لقد تحول الخبر، قبل أن تثبت صحته أو تنفى، إلى ما يشبه استطلاع رأي سياسي واسع النطاق، وكانت النتيجة أن اسم أحمد الميسري ما زال قادراً على تحريك المشهد وإثارة النقاش ولفت الأنظار، وهي قدرة لا يمتلكها إلا القليل من السياسيين.
ولهذا ربما يكون الدرس الأهم في هذه القضية أن بعض الشخصيات السياسية يُقاس وزنها عندما تتحدث، أما شخصيات أخرى فيُقاس وزنها عندما يحدث أي شيء يتعلق بها. وما جرى في الأيام الأخيرة يؤكد أن أحمد الميسري لا يزال ينتمي إلى الفئة الثانية.
هذه الصياغة تجعل التحليل سياسياً ورصيناً، وتطرح فكرة "اختبار الوزن السياسي" و"اختبار الشخصية" باعتبارها قراءة واحتمالاً وتحليلاً، لا باعتبارها حقيقة مؤكدة، وهو ما يمنح المقال قوة أكبر ومصداقية أعلى.