آخر تحديث :الأحد-31 مايو 2026-09:09م

حضرموت بين مطرقة الجنوب وسندان الشمال: تزييف التاريخ والمطالبة بتقرير المصير

الأحد - 31 مايو 2026 - الساعة 11:15 ص
أ.د. خالد سالم باوزير


لم تتوحد حضرموت مع الشمال اليمني عبر قرون التاريخ قديماً أو حديثاً، ولم تكن يوماً جزءاً من الجنوب في تاريخها المستقل؛ فحتى إبان عهد الاستعمار البريطاني، ظلت حضرموت تحت حكم سلطناتها المستقلة حتى عام 1967.


بعد ذلك التاريخ، أعلنت الجبهة القومية، ومن بعدها الحزب الاشتراكي، ضمَّ حضرموت إلى دولة الجنوب قسراً وعنوةً تحت مسمى القومية العربية.


إن الحقيقة التاريخية الثابتة تؤكد أن حضرموت كيان سياسي واجتماعي وثقافي قائم بذاته، بعيد كل البعد عن اليمن بشطريه، تماماً كوضع سلطنة عُمان المجاورة لها.


لقد غدرت بريطانيا، ومعها قوى أوروبية أخرى، بالحضارم؛ والسبب في ذلك يعود إلى الدور العظيم الذي لعبه أبناء حضرموت في نشر الإسلام في جنوب شرق آسيا وإفريقيا. لقد تعجبت تلك الدول من هؤلاء الرجال الذين خرجوا من بلادهم بطلب الرزق، ولكنهم بحملهم لدعوة الإسلام والصدق والأمانة والسلام، نجحوا في نشر الدين الحنيف في بلدان يقطنها اليوم أكثر من مليار نسمة (مثل إندونيسيا، ماليزيا، الهند، تايلاند، بورما، سيلان، الفلبين، فيتنام، وأجزاء من الصين، ناهيك عن القارة الإفريقية).


أدركت أوروبا الاستعمارية، وعلى رأسها بريطانيا، أن بناء دولة مستقلة وقوية للحضارم، بما يمتلكونه من إرث قيمي وثروات طبيعية، قد يجعل من العالم جبهة إسلامية موحدة. ومن هنا بدأت المؤامرة الاستعمارية على الحضارم وسلاطينهم، وتم حشر حضرموت في الكيان الجنوبي لمنع قيام دولتها المستقلة.


لقد أدرك الإنجليز قبل رحيلهم مكامن الثروة في حدود حضرموت؛ حيث حددوا مناطق المعادن المختلفة في المناطق الداخلية والساحلية والأودية والجبال والصحاري منذ عام 1930، ثم اكتشفوا النفط في بداية الستينيات، بالإضافة إلى المعادن الثمينة والنادرة الأخرى، ولا تزال خرائط هذه الثروات محفوظة في الأرشيف البريطاني.


بسبب هذا الضم القسري، دخلت حضرموت في جحيم الصراعات الداخلية للجنوب المأزوم؛ ذلك الكيان المتصارع الذي لم ينسجم شعبه سياسياً قط.


عايشت حضرموت صراعات الجنوبيين الخارجية مثل حرب الوديعة مع السعودية عام 1969، وحروبهم مع الشمال في عامي 1972 و1979، وصولاً إلى ذروة صراعاتهم الدامية في أحداث 13 يناير 1986. وطوال تلك المحطات، كانت حضرموت تنأى بنفسها عن تلك النزاعات الدائرة التي لم تنتهِ، لأن العنف والصراع كان سلوكاً متأصلاً ومنطقاً سائداً هناك.


وفي خطوة كارثية أخرى، قاد الحزب الاشتراكي حضرموت نحو وحدة غير متكافئة مع الشمال؛ وجاءت هذه الخطوة هروباً وخوفاً من قادة الحزب على مصائرهم بعد تهاوي المنظومة الشيوعية في شرق أوروبا وسقوط النظام الروماني.


دُفعت حضرموت نحو وحدة مع مجتمع غلبت على قطاع واسع منه العقلية القبلية، حيث تراجعت في ثناياها قيم الدولة والنظام أمام لغة المال والمصالح الضيقة، وافتقرت تلك العقلية السائدة لروح المروءة والعهد والالتزام بالكلمة.


اليوم، ترفع حضرموت صوتها عالياً للمطالبة بتقدير المصير، والحفاظ على هويتها التاريخية وسيادتها الوطنية.


ومن هنا نؤكد أنه لا يمكن بعد الآن إخضاع حضرموت لا للجنوب ولا للشمال، ومن رضي فليفرح ومن رفض فالبحر أمامه. نحن لا نكنّ الكراهية لأحد، ولكننا نتحدث بلسان الواقع والأحداث التاريخية المعاصرة، لتكون هذه الحقائق دروساً وعِبراً للجيل الحاضر والأجيال القادمة.


هذا هو أملنا في أن يفهم الجميع ما نصبو إليه.. والله من وراء القصد وهو ولي السداد.