آخر تحديث :الأحد-31 مايو 2026-09:09م

عن عودة السلاطين ومشروع الفوضى

الأحد - 31 مايو 2026 - الساعة 10:30 ص
علي العمراني


بدا واضحًا، منذ سنوات طويلة، أن مشروع الانفصال مشروع خراب خطير وفوضى عارمة، والأدلة واضحة وماثلة. ويدرك العقلاء، في المقابل، أن أعظم إنجاز حققه اليمنيون في المئة عام الأخيرة هو وحدة اليمن، وهي مصدر الفخر والشرف الأهم في التاريخ اليمني المعاصر، وإن تعرضت إلى شيطنة مفرطة وباطلة. ويقينًا، فإن كل القضايا قابلة، مع الزمن، للمعالجة في إطار يمن موحد لا سواه.


وللتذكير، فإن مشروع وحدة اليمن كان حاضرًا منذ تكوين الدولة اليمنية الحديثة في بداية القرن الماضي، حتى إن الأمراء والسلاطين في الجنوب والشرق فكروا جديًا فيها. وكانوا، وفقًا لعبد العزيز الثعالبي، يتطلعون إليها، ولم يكن لديهم مانع من أن يرأس الدولة اليمنية الواحدة الإمام يحيى، شريطة أن يترك لهم إدارة مناطقهم. وقد أعد الثعالبي مشروعًا لتلك الوحدة ، بعد لقاء الإمام يحيى، عام 1922.


وكان الإمام يحيى، هو الآخر، يتطلع إلى وحدة الأراضي اليمنية كما كانت في عهد الحميريين، وكما وردت في كتاب "صفة جزيرة العرب" للهمداني، وفقًا لما أورده الثعالبي نفسه، منسوبًا بالنص إلى الإمام.


ولكن جرت المقادير والأمور بما لا تشتهي السفن، لأسباب منها ما يتعلق بالخارج، وخاصة بريطانيا، ومنها معوقات نظام الإمامة نفسه، وشخصية يحيى الحذرة والبخيلة والانعزالية. وقد ذكر الثعالبي أسبابًا أخرى أيضًا، منها شكوك الأمراء، فيما بعد، في نوايا الإمام بعد ضمه البيضاء، وطريقة تعامله مع أمير الضالع.


وأتذكر أنني اطلعت على خطاب وجّهه سلطان العوالق، جد الزميل عوض بن محمد، يؤكد فيه ولاءه للإمام، ورد الإمام على السلطان مقرًا له بالإمارة على بلاده.


بعد انهيار الوحدة التي تحققت في عهد المتوكل، كان طبيعيًا أن تنشأ دويلات وكيانات، جلها أو كلها، شكلية وهشة. ومع المتغيرات الإقليمية والدولية التي حدثت منذ بداية القرن الماضي وفي منتصفه، تكونت في اليمن دولتان، وكانت الوحدة في طليعة أهداف الدولتين اليمنيتين وضمن دساتيرهما، حتى تحققت في 22 مايو 1990.


وفي مجمل الأدبيات البريطانية، كان البريطانيون يشيرون إلى اليمن وهم يتحدثون عن الجزء المحتل منه. لكنهم حرصوا لاحقًا على إبعاد الصفة اليمنية عن مشروع الاتحاد الذي تبنوه، وجنحوا إلى تسمية "الجنوب العربي" بهدف طمس الهوية اليمنية للجزء المحتل وإعاقة أي مشروع للوحدة اليمنية في المدى المنظور، إن أمكن. غير أن أحرار اليمن في المناطق المحتلة قوضوا فكرة "الجنوب العربي" الماكرة، ووضعوا الأمر في نصابه، وأقاموا دولة يمنية تسعى إلى وحدة اليمن كلها حتى تحققت.


وتتولى الإمارات الآن تمويل ودعم مشروع "الجنوب العربي" بعدوانية مفرطة، مع موقف سعودي غامض إلى حد ما، يبتعد ويقترب من موقف الإمارات. ومثلما لم تعدم بريطانيا وجود متعاونين وأتباع ومتواطئين، فهم الآن أيضًا جاهزون، بأي ثمن، وبقدر من الخفة والجهالة والضحالة، وإن كان بعضهم يحمل شهادات عليا، كالدكتوراه مثلًا. ويتبنى الانفصاليون منهم أساليب البروباغندا الشمولية ضد الخصوم، بما في ذلك الردح والكذب والشتم، وهو ما تعرض له من قبل السلاطين والأمراء وشيوخ القبائل وعلماء الدين و"الرجعية" في الشمال والجزيرة العربية. وما نزال تتذكر ذلك تماما.


ومع تحقيق الوحدة عام 1990، عاد كثير من السلاطين والأمراء والمشايخ، وتم تعيين وانتخاب مسؤولين منهم في الدولة؛ وزراء وأعضاء في مجلسي النواب والشورى، مثل فضل العفيفي، وفيصل محمود القطيبي، وعوض الوزير، وصالح بن فريد العولقي، وحيدر الهبيلي.


ويظهر الآن بعض أحفاد وأبناء بعض السلاطين، ولا يسع المرء إلا أن يرحب بوجودهم في بلدهم، مثلهم مثل أحفاد الأئمة أيضًا، ولكن مع الحفاظ على مكاسب الشعب اليمني، وأهمها وحدة بلاده ونظامه الجمهوري.


ولا تُعاب الأنظمة الملكية في المنطقة، ولها مزاياها من دون شك، لكن تركيبة اليمن الحديث ومتغيرات الأوضاع فيه تحتمان احترام نظامه السياسي الذي عرفه خلال الستين عامًا الماضية، مثلما تُحترم الأنظمة السياسية الأخرى في المنطقة.


وليس هناك ما يمنع وصول أي من أحفاد الملوك والأمراء والسلاطين والأئمة إلى أعلى المناصب، ومن ذلك رئاسة الدولة، عن طريق الانتخابات بالطبع.


ولكن يبقى السؤال: هل ظهور بعض أولئك الشباب الآن تلقائي، أم أن هناك من يقف خلفه، مع وجود مرامٍ وأهداف من شأنها أن تزيد الأوضاع خرابًا وفوضى وسوءًا؟


وأظن أن أولئك الأبناء والأحفاد يدركون أنه لا يليق بهم أن يتسببوا في فوضى إضافية في بلدهم أو في مزيد من الخراب، ولا حتى أن يكونوا جزءًا من الفوضى القائمة، فكيف بهم أن يكونوا جزءًا من مشروع تفتيت اليمن وخرابه؟


إن الواجب هو تكريس كل الجهود في سبيل الوحدة والاستقرار وكرامة اليمن وشعبه، التي تتعرض لاستهانة وتنكيل وإذلال غير مسبوقة، لم يسلم منها رئيس ولا إمام ولا سلطان ولا مواطن بالتأكيد.