آخر تحديث :الأحد-31 مايو 2026-02:24م

إعادة تشكّل الاقتصاد في عدن تحت وطأة الانهيار

الأحد - 31 مايو 2026 - الساعة 09:59 ص
نايف حمود العزي


نايف حمود العزي


مدخل:

عدن لا تنهار بالطريقة التقليدية. المدينة ما تزال مزدحمة، والأسواق تعمل، والأموال تتحرك، والبناء مستمر. لكن خلف هذه الحركة، يتوسع اقتصاد كامل يعيش على ضعف الدولة، وتراجع الخدمات، وانخفاض قدرة الناس على الاحتمال.


خلال السنوات الأخيرة، لم تنكمش الأنشطة المرتبطة بالضغوط المعيشية، بل أصبحت من أكثر المجالات قدرة على التوسع. الصرافة، والطاقة البديلة، والوساطة، والجبايات، والخدمات مرتفعة الكلفة، كلها نمت مع كل خطوة إضافية في تراجع المؤسسات.


المدينة لا تتوقف عن الحركة، لكنها تستنزف نفسها وهي تتحرك. وهذا التحول لا يرتبط بالعوامل المحلية وحدها، بل أيضًا باقتصاد فقد جزءًا كبيرًا من موارده السيادية وتدفقاته الخارجية، ما جعل عدن أكثر انكشافًا أمام شبكات الربح السريع.


السؤال هنا لا يتعلق فقط بسبب تعثر المدينة، بل بطبيعة المصالح التي تشكلت داخل هذا المسار، وأصبحت ترى في استمرار الهشاشة فرصة اقتصادية أكثر من كونها وضعًا ينبغي تجاوزه.


أولًا: السوق التي تربح من الاختناق


في عدن، لا تتحرك الأسعار داخل بيئة مستقرة تسمح بدرجة معقولة من التوقع، بل تتغير تبعًا لمستوى التعثر نفسه.


كل اضطراب يفتح دورة ربح جديدة: انقطاع الكهرباء يوسع الطلب على الطاقة البديلة، انهيار العملة ينشّط المضاربة، تراجع الخدمات يخلق أسواقًا موازية للنقل والمياه والاتصالات، وضعف الرقابة يرفع كلفة المعاملات اليومية.


النتيجة أن جزءًا متزايدًا من النشاط الاقتصادي لم يعد يقوم على إنتاج قيمة مستقرة، بل على إدارة النقص وإعادة تسعير الخدمات بكلفة أعلى.


ومع الوقت، توسعت الأنشطة القادرة على تحقيق أرباح سريعة داخل بيئة مضطربة، بينما تراجعت قدرة القطاعات الإنتاجية على المنافسة والاستمرار.


في عدن، أصبحت درجة التعطل نفسها جزءًا من آلية السوق.


ثانيًا: سقوط الراتب وصعود اقتصاد المضاربة


قبل الحرب، كانت الوظيفة العامة، رغم ضعفها، توفر حدًا أدنى من الاستقرار يسمح ببقاء شريحة واسعة داخل الطبقة الوسطى. اليوم فقد الراتب هذه الوظيفة إلى حد بعيد.


المشكلة لم تعد تُفسَّر بانخفاض الأجور وحده، بل بالفجوة المتسعة بين الدخل وكلفة الحياة داخل المدينة.


الموظف الذي يعتمد على دخل ثابت أصبح الطرف الأضعف داخل السوق، لأن الأسعار يعاد تشكيلها باستمرار وفق الدولار والندرة وتقلبات العرض، بينما يبقى راتبه شبه جامد.


في المقابل، توسعت الأنشطة التي تعتمد على السرعة أكثر من اعتمادها على الاستقرار: المضاربة، والوساطة، والتحويلات، والأنشطة المرتبطة بالتقلبات اليومية.


بهذا المعنى، لم يعد الانقسام الحاسم بين غني وفقير فقط، بل بين من يعيش داخل اقتصاد ثابت يتآكل باستمرار، ومن يتحرك داخل أنشطة قادرة على تحويل التقلبات نفسها إلى مصدر دخل.


ثالثًا: الخدمات بوصفها سوقًا


في المدن الطبيعية، يُفترض أن يؤدي تراجع الخدمات إلى ضغط اجتماعي يدفع نحو الإصلاح. في عدن أخذ المسار اتجاهًا مختلفًا.


كل خدمة متعثرة ولّدت حولها سوقًا خاصة بها. الكهرباء أصبحت تجارة مستقلة، والمياه نشاطًا يوميًا مرتفع الكلفة، وحتى النقل والاتصالات اتسعت داخلهما مساحات غير منظمة تزداد ربحيتها مع اتساع التعثر.


ومع الوقت، بدأت أجزاء من السوق تبني تكيّفها حول غياب الدولة أكثر من بنائه حول وجودها.


ليس لأن الفوضى أكثر كفاءة، بل لأن قطاعات كاملة راكمت مصالحها داخل هذا الشكل من النشاط الاقتصادي. وهكذا، لم يعد التعطل مجرد حالة مؤقتة، بل دخل تدريجيًا في طريقة اشتغال السوق نفسه.


ومع ذلك، لا يبدو هذا النموذج قادرًا على الاستمرار بلا حدود. فكل موجة جديدة من ارتفاع الأسعار تستنزف القدرة الشرائية التي يعتمد عليها السوق، فيما تتحول تحويلات المغتربين أكثر فأكثر إلى شبكة الأمان الأخيرة التي تمنع قطاعات واسعة من المدينة من الانزلاق الكامل.


النتيجة أن عدن تتحرك داخل اقتصاد يحقق أرباحه من الاختلال، بينما يواصل استهلاك قاعدته الاجتماعية.


رابعًا: عدن تبيع ما تبقى منها


في المدن التي تتحرك داخل دورة اقتصادية مستقرة، ترتبط قيمة الأرض والموقع والخدمات بالتوسع العمراني والإنتاج وفرص العمل. أما في عدن، فقد تحولت الأراضي والعقارات تدريجيًا إلى واحدة من أهم مساحات حفظ القيمة داخل اقتصاد مضطرب يفتقد الاستقرار النقدي والاستثماري.


الأراضي، والسواحل، والمواقع الحيوية، دخلت جميعها في دورة مضاربة متسارعة، حيث لم تعد القيمة ترتبط بما يمكن أن تنتجه المدينة، بقدر ارتباطها بما يمكن تصريفه منها الآن.


ومع اتساع اقتصاد الحرب، بدأت أموال المضاربة والجبايات والأنشطة السريعة تتجه نحو العقار بوصفه المساحة الأكثر أمانًا لإعادة تدوير الأرباح أو الاحتماء من تآكل العملة.


ورغم اضطراب السوق العقارية وتراجع الطلب الحقيقي في فترات متقطعة، بقيت الأراضي والعقار من أهم مخازن القيمة داخل اقتصاد يفتقد البدائل المستقرة.


لهذا، لا تعكس الأبراج الجديدة بالضرورة نموًا اقتصاديًا حقيقيًا، بقدر ما تعكس انتقال الأموال من اقتصاد النقص إلى الإسمنت.


عدن تتوسع في البيع أكثر مما تتوسع في البناء. ومع كل موجة جديدة من الاضطراب، تتسع الأنشطة المرتبطة بالمضاربة والتسييل السريع، بينما تنكمش المساحات المرتبطة بالإنتاج طويل الأجل أو التنمية المستقرة.


وفي بعض اللحظات، تبدو المدينة وكأنها تؤجل سقوطها عبر بيع أجزائها بالتقسيط.


خامسًا: تآكل القدرة على البقاء


أخطر ما يحدث في المدينة لا يقتصر على ارتفاع الأسعار، بل يمتد إلى تحول الحياة اليومية نفسها إلى عبء اقتصادي متصاعد.


الإيجارات ترتفع، والخدمات تتآكل، والوظائف تفقد قيمتها، فيما تصبح القدرة على التخطيط للمستقبل أضعف مع كل دورة اضطراب جديدة.


لهذا، لم تعد عدن تخسر سكانها عبر الهجرة وحدها، بل عبر تراجع قدرتهم على البقاء داخلها أصلًا.


المدينة تتسع للأسواق أكثر مما تتسع للناس. وكلما تمدد اقتصاد الاختلال، أصبحت الفئات المرتبطة بالإنتاج والعمل الثابت أقل قدرة على الاستمرار، مقابل صعود أنشطة تعيش على التقلب والندرة وضعف الاستقرار.


خاتمة


ما يحدث في عدن لم يعد مجرد تعثر اقتصادي عابر، بل تحول تدريجي في طبيعة السوق نفسها.


هناك اقتصاد نما فوق ضعف الخدمات، وتراجع الدولة، وتآكل العملة، وتعلم كيف يحول هذه الاختلالات إلى مصادر ربح مستقرة نسبيًا.


المشكلة هنا لا تتعلق بانهيار قائم فقط، بل ببنية مصالح أعادت تشكيل الأنشطة الاقتصادية داخل المدينة.


ولهذا، لم يعد السؤال من يملك عدن فقط، بل من الذي أصبحت مصلحته مرتبطة باستمرار هذا النموذج.


باحث في اقتصاد الحرب والتحولات الاقتصادية