ربما ظلم ابناء اليمن شمالا وجنوبا، الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي، لكن تاريخهم سيكتب باحرف من نور انه القائد الذي انقذ بصمته الرهيب الجمهورية من الانهيار، ومنع رايتها من السقوط. ليدخل تاريخ اليمن المعاصر من أوسع الأبواب، رغم حملات التشويه المكثفة التي سعت للنيل من تجربته الوطنية، والانتقاص من دوره في واحدة من أعقد المراحل التي مرّت بها البلاد.
و حافظ الرجل رغم تكالب المؤامرات وتشابك مشاريع الانقلاب و التمزيق، على الشرعية الدستورية، و تمكن في خضم العواصف العاتية، من إعادة تثبيت حضور اليمن الجمهوري في المحافل الدولية.
كما ظل الرجل، حارسا امينا للمركز القانوني للدولة اليمنية، لتبقى الجمهورية قائمةً في وجه مشاريع السلالة والتشطير والانقلاب.
ويُحسب للرئيس الراحل أنه قاد اليمن خلال أكثر مراحله تعقيدًا، واستطاع أن ينجز وثيقة مؤتمر الحوار الوطني، التي ما تزال حتى اليوم تمثل الرؤية الأكثر شمولًا لمعالجة القضايا الوطنية شمالًا وجنوبًا. وهي الوثيقة التي شاركت في صياغتها مختلف القوى السياسية والاجتماعية، بما فيها أنصار الله وتيارات الحراك الجنوبي، في محاولة لصناعة مشروع وطني جامع ينهي عقود الصراع والإقصاء.
لقد راهن الرئيس هادي على الشراكة الوطنية، وقدّم تنازلات كبيرة من أجل استيعاب الجميع داخل إطار الدولة، غير أن مشروعه قوبل بالغدر والانقلاب؛ فاستولى الحوثيون على العاصمة صنعاء، فيما انزلقت العاصمة المؤقتة عدن لاحقًا إلى دوامة من الصراعات والتجاذبات، رغم أن الرئيس هادي كان صاحب القرار التاريخي بتحريرها وتسليم ادارة المحافظات الجنوبية لأبنائها.
ويسجل التاريخ للرئيس الراحل فضلٌ تاريخي عصي على النسيان، بوصفه أول رئيس من جنوب اليمن يقود الدولة اليمنية الموحدة في التاريخ القديم و الحديث لليمن، كمحطة تاريخية يُفترض أن تُقرأ باعتبارها انتصارًا وطنيًا لكل اليمنيين، لا مناسبةً للتنكر أو التجاهل خاصة من ابناء جلدته في جنوب الوطن.
ولا خلاف; سيظل الرئيس عبدربه منصور هادي شخصيةً مثيرةً للجدل في الوعي السياسي اليمني المثقوب، الذي قد يتذكر باجلال مستحق ان الرئيس الراحل سلم راية الجمهورية بشرف كبير لاهلها في مجلس القيادة الرئاسي، وغادر مرفوع الرأس، موفور الكرامة، مثلما يغادر قادة التاريخ ميادين الحياة.
رحم الله الرئيس عبدربه منصور هادي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم اليمنيين قراءةً منصفةً لتجربته بعيدًا عن فجور الخصومة و السياسة.