آخر تحديث :السبت-30 مايو 2026-06:00م

عندما يتطاول السفهاء على أسيادهم... علي البخيتي يراجع التاريخ بمنظار الشتيمة

السبت - 30 مايو 2026 - الساعة 02:13 م
د. سعيد سالم الحرباجي


في كل زمان يظهر قومٌ يظنون أن ارتفاع الصوت دليلٌ على ارتفاع القامة، وأن الإساءة إلى الرجال الكبار تضيف إلى أرصدتهم شيئًا من القيمة المفقودة، فيتسلقون جدران التاريخ بأظافر الشتائم بعدما عجزوا عن بلوغ أبوابه بأعمالهم.

وقد قرأنا مؤخرًا مقالًا لعلي البخيتي، حافلًا بالتهكم على الرئيس عبدربه منصور هادي، امتلأ بالأوصاف الجارحة والعبارات المستفزة، حتى خُيِّل إلى القارئ أن كاتب المقال كان يعيش في يمنٍ آخر غير اليمن الذي نعرفه جميعًا.


فالرجل يتحدث عن هادي وكأنه أصل البلاء ومنتهاه، وكأن اليمن قبل فبراير 2012م كانت دولة مؤسسات تضاهي أرقى دول العالم، ثم جاء هادي وحده فحوّلها إلى ركام!!


فيا للعجب...

أين كان هؤلاء العباقرة عندما كانت الدولة تُنهش من الداخل لعقود؟ وأين كانت أصواتهم عندما كانت مراكز القوى تتقاسم النفوذ والثروة والسلاح؟ وأين كانت عبقريتهم السياسية حين كانت الألغام تُزرع في جسد الدولة اليمنية حجرًا فوق حجر؟


إن أكثر ما يثير السخرية أن بعض الكُتّاب يتعاملون مع التاريخ بمنطق "المتهم الوحيد".

فإذا انهارت الدولة، فهادي هو المسؤول.

وإذا تمردت الجماعات المسلحة، فهادي هو المسؤول.

وإذا انقسم الجيش، فهادي هو المسؤول.

وإذا تدخلت القوى الإقليمية والدولية، فهادي هو المسؤول.

حتى ليكاد المرء يظن أن الرجل كان يحكم كوكبًا بأسره، لا دولةً أنهكتها الصراعات والانقسامات منذ عقود.


ثم يأتي البخيتي ليكرر نكتة "عبدربه مركوز فاضي"، وكأنه اكتشف نظرية سياسية جديدة تُضاف إلى علوم الحكم والإدارة!

والمؤسف أن بعض الناس يخلط بين النكتة والحقيقة، وبين السخرية والتحليل.

فلو كانت النكات معيارًا للحكم على الرجال، لما سلم منها قائد في التاريخ، ولأصبح مهرجو المقاهي أعظم المؤرخين.


والحقيقة التي يتجاهلها الكثيرون أن الرئيس هادي لم يأتِ إلى السلطة على ظهر دبابة، ولم يفرض نفسه على اليمنيين بقوة السلاح، بل جاء نتيجة توافق سياسي محلي وإقليمي ودولي غير مسبوق.


وقد اختارته القوى نفسها التي تتنصل اليوم من مسؤولياتها، ثم راحت تبحث عن شماعة تعلق عليها أخطاءها وخيباتها، فوجدت في هادي الهدف الأسهل.


إن المشكلة الحقيقية ليست في عبدربه منصور هادي وحده، بل في النخب التي صنعت الأزمات ثم ادعت البراءة منها.

نخبٌ كانت تتصارع على الكراسي بينما كانت الدولة تتداعى.

ونخبٌ كانت تتقاسم النفوذ بينما كان المواطن يتقاسم الفقر والخوف.

ونخبٌ كانت تبحث عن الغنيمة بينما كان الوطن يبحث عن النجاة.


أما هادي، فله ما له وعليه ما عليه، والتاريخ سيذكر أخطاءه كما سيذكر ظروف المرحلة التي حكم فيها.

لكن ما لا يحق لأحد أن يفعله هو أن يحول النقد السياسي إلى حفلة شتائم، وأن يستبدل الوثائق بالنكات، والوقائع بالتهكم، والتحليل بالتشفي.


لقد رحل الرجل إلى جوار ربه، وبقيت اليمن شاهدةً على أن أزمتها كانت أكبر من شخص، وأعمق من رئيس، وأعقد من أن تُختزل في مقال غاضب أو منشور ساخر.

وربما كان أكثر ما يكشف ضحالة بعض الكُتّاب أنهم لا يستطيعون الظهور إلا حين يجدون شخصية غائبة يلقون عليها كل أوزار المرحلة، وكأن البطولة عندهم لا تكون إلا في منازلة من لا يرد ولا يدافع عن نفسه.


ولعل السؤال الذي يهرب منه كثير من المتحمسين لجلد الماضي هو:

إذا كان عبدربه منصور هادي ـ كما يزعمون ـ أصل كل أزمة، فما الذي منع من جاءوا بعده من تصحيح المسار؟

لقد مضت سنوات على انتقال السلطة إلى مجلس القيادة الرئاسي، وهي مدة كافية لإقناع الناس بوجود مشروع مختلف، أو رؤية أوضح، أو إنجاز ملموس يبدد إرث الإخفاقات الذي يتحدثون عنه صباح مساء.


لكن المواطن البسيط لا يزال يبحث عن الكهرباء والماء والراتب والأمن والاستقرار، فيما تتضاعف الأزمات وتتسع الفجوة بين الخطاب والواقع.


ومن هنا تبدو حملات التشهير بالموتى أحيانًا محاولةً للهروب من أسئلة الحاضر الثقيلة؛ لأن أسهل ما يمكن فعله هو محاكمة رجل غادر المشهد، وأصعب ما يمكن فعله هو تقديم كشف حساب لمن لا يزالون في صدارة المشهد.


لقد كان هادي بشرًا يصيب ويخطئ، وليس نبيًا معصومًا ولا شيطانًا مسؤولًا عن كل خطايا اليمن.

أما تحويله إلى شماعة تُعلَّق عليها جميع الكوارث، فليس قراءةً للتاريخ، بل هروبٌ من التاريخ.

فالتاريخ لا يكتبه الغاضبون، ولا يصنعه أصحاب الشتائم، وإنما تصنعه الحقائق التي تبقى بعد أن يهدأ الضجيج.



رحم الله الرئيس عبدربه منصور هادي رحمة الابرار واسكنك فسيح الجنان.