آخر تحديث :السبت-30 مايو 2026-08:17م

هادي بعد الرحيل... أزمة النخبة أم أزمة الرجل؟

السبت - 30 مايو 2026 - الساعة 01:49 م
فيصل علي


د.فيصل علي / رئيس مؤسسة يمنيون الثقافية


تكشف وفاة الشخصيات العامة، وخاصة القادة والسياسيين، جانبًا مهمًا من مستوى النضج الاجتماعي والسياسي لدى المجتمعات والنخب على حد سواء. ففي مثل هذه اللحظات الفاصلة، لا يقتصر الاختبار على موقف الجماهير من المتوفى، بل يمتد إلى قدرتهم على التمييز الدقيق بين واجب التعزية وحق التقييم، وبين الاعتبارات الإنسانية والحسابات السياسية، وبشكل أدق؛ بين احترام جلال الموت ومسؤولية كتابة التاريخ.


وإذا كان من حق أي مواطن أو كاتب أو سياسي أن يختلف مع رئيس أو حاكم، وأن ينتقد قراراته وسياساته، بل وأن يحمله مسؤولية أخطاء جسيمة إن اقتنع بذلك، فإن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هنا: هل لحظة الوفاة هي الوقت المناسب لتحويل التعزية إلى محاكمة سياسية؟


إن الذكاء العاطفي والسياسي لا يعني أبدًا التخلي عن المواقف أو تزييف القناعات، وإنما يعني إدراك طبيعة اللحظة ومتطلباتها الإنسانية. فالسياسي الناضج يدرك تمامًا أن الوفاة ليست ساحة لتصفية الحسابات القديمة، أو منصة لإثبات صحة مواقفه السابقة، لأن التاريخ لا يُكتب في ساعات الحزن الأولى، والأحكام المتسرعة غالبًا ما تكون أقرب إلى الانفعال اللحظي منها إلى التحليل الرصين.


وقد كشفت ردود الفعل على وفاة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي هذا التباين بوضوح؛ فبينما التزم جزء من الكتّاب والسياسيين بواجب التعزية واحترام المقام الإنساني، سارع آخرون إلى فتح ملفات المرحلة وإصدار أحكام نهائية قاطعة، وكأنهم أمام جلسة محاكمة علنية لا أمام خبر وفاة. والمفارقة الصارخة أن كثيرًا من هؤلاء يتحدثون باسم العقلانية والموضوعية، بينما يغفلون أن أول شروط الموضوعية المنهجية هو اختيار التوقيت المناسب لطرح الفكرة.


إن القادة السياسيين لا يُختزلون في لحظة وفاة، كما لا تُختزل تجاربهم في منشور عابر على وسائل التواصل الاجتماعي. فالواقع التاريخي أعقد من ذلك بكثير، غير أن معظم الكتابات التي تظهر عقب رحيل الرموز السياسية تقع في مأزق منهجي متكرر، يتجلى في اختزال مراحل تاريخية شديدة التعقيد والتداخل — شاركت في صناعتها قوى وأحزاب ونخب ومؤسسات ودول وتوازنات إقليمية متشابكة — في شخص واحد يُحمَّل وحده أوزار مرحلة كاملة.


والأسوأ من ذلك أن بعض هذه الأقلام تمارس "الحكمة بأثر رجعي"، فتتحدث عن الأحداث الماضية وكأن مساراتها ونتائجها كانت واضحة ومعلومة للجميع منذ البداية، متجاهلةً حجم الارتباك والتعقيد الذي أحاط بلحظة اتخاذ القرار، لتنزلق بذلك من محاولة الفهم والتحليل إلى البحث عن مذنب واحد تُعلَّق عليه كل خطيئة تاريخية.


ويبدو أن المشروع الحوثي استفاد مبكرًا من هشاشة المشهد النخبوي اليمني وطريقة تعاطيه مع الشأن العام؛ فقد كان جزء معتبر من النخبة السياسية والحزبية والثقافية منشغلًا بجدالاته الخاصة وصراعاته البينية ونقاشاته المستمدة من أيديولوجيات الماضي، أكثر من انشغاله الفعلي ببناء الدولة وحمايتها. ولذلك مضى المشروع الانقلابي مستفيدًا من حالة الانقسام والتشظي، في مواجهة دولة فقدت جانبًا من مناعتها السياسية، ونخبٍ عجزت عن إنتاج موقف وطني موحد في لحظة فارقة كانت البلاد فيها بأمسّ الحاجة إلى التلاحم والاصطفاف.


ولكي يكون الحديث منصفًا وبعيدًا عن شبهة تقديس الأشخاص أو تصفية الحسابات، فإنني لست ممن اكتشفوا أخطاء الرئيس هادي بعد وفاته. لقد انتقدتُ الرجل خلال فترة رئاسته، كما فعل كثيرون غيري، لأن النقد في حينه كان واجبًا وطنيًا ومهنيًا، غايته التنبيه إلى الأخطاء ومحاولة تفاديها وتصحيح مسار الرئاسة والحكومة والشرعية. وهذا هو الدور الطبيعي للصحفي والكاتب والمثقف حين تكون السلطة قائمة وتمارس القرار وتملك القدرة على المراجعة والتصحيح.


لكن المشهد تغيّر كليًا منذ خروجه من السلطة في السابع من أبريل 2022، حيث لم يعد هادي منذ تلك اللحظة لاعبًا في المعادلة السياسية اليومية، وأصبح جزءًا من مرحلة انتهت عمليًا. ولذلك يبدو مستغربًا جدًا أن يتحول بعض من صمتوا طويلًا أثناء وجوده في السلطة إلى حملة دائمة لمحاكمته بعد خروجه منها ثم بعد وفاته، وكأن مسؤولية ما جرى يمكن اختزالها في شخص غادر المشهد منذ سنوات، في حين ظل بعض هؤلاء يتعاملون بقدر كبير من المهادنة مع الحوثي أو غيره من مراكز القوة الفاعلة على الأرض خوفًا أو مصلحة.


وحتى قرار نقل السلطة وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي، الذي كنتُ من المعترضين عليه في حينه، ووصفتُه علنًا بأنه خروج عن السياق الدستوري المألوف، فإن إعادة النظر فيه اليوم بموضوعية وفي ضوء مآلات المرحلة تكشف أنه كان خطوة إنقاذية اضطرارية بالغة الأهمية. فلو رحل الرجل دون ترتيب وضع الشرعية وتفويض صلاحياته، لوجدت البلاد نفسها أمام فراغ دستوري وسياسي خطير كان سيتيح للانقلاب الحوثي ابتلاع ما تبقى من مؤسسات الدولة، والدخول في فوضى أعمق ونزاعات جديدة حول التمثيل والشرعية.


وهنا يفرض نفسه سؤال جوهري يفكك التناقض اللافت في خطاب هذه النخب: إذا كانت كل العيوب التي تُساق اليوم بحق الرئيس هادي صحيحة بهذا القدر من اليقين، وإذا كان إسقاط الدولة نتيجة حتمية لفشله الفردي، فكيف يمكن تفسير استمرار الأزمة اليمنية بكل هذا التعقيد بعد أكثر من اثني عشر عامًا؟ وكيف يمكن اختزال أسباب الانهيار في شخص واحد، بينما شاركت في صناعة المرحلة قوى وأحزاب ونخب ومراكز نفوذ متعددة؟ ولماذا ما زال الحوثي حتى اليوم ممسكًا بمراكز القوة التي استولى عليها، رغم كل التحالفات والموارد والإمكانات التي وُضعت في مواجهة مشروعه؟


إن هذه النخب تصف هادي بأنه كان رئيسًا ضعيفًا وتحمله مسؤولية كل ما أصاب البلاد، لكنها في الوقت نفسه تدين الانقلاب الحوثي وتطالب باستعادة الدولة التي أطاح بها. فإذا كانت قراءتها للأحداث صحيحة بهذا القدر من اليقين، أليس من المفترض وفق هذا المنطق أن يكون الانقلاب قد خلّص البلاد من نظام عاجز؟ وكيف يمكن إدانة الانقلاب والتمسك بالدولة التي أسقطها، مع الإصرار في الوقت نفسه على اختزال أسباب الانهيار كلها في الرجل الذي أُطيح به؟


إن المنطق يقود هنا إلى حقيقة واحدة: شرعية هادي لم تكن شرعية كفاءة أو إنجاز فردي، بل كانت شرعية وجود كياني للدولة والعملية السياسية والتوافق الوطني، وبسقوطها سقط الملعب السياسي بأكمله. ولذلك فإن النقاش لا يتعلق اليوم بتقييم أداء رجل بقدر ما يتعلق بفهم ما الذي خسره اليمنيون عندما انهارت تلك المظلة السياسية التي كانت تمثلها الشرعية، بكل ما لها وما عليها. وبالتالي فإن الإدانة المستمرة للانقلاب تعني ضمنًا الاعتراف بأن المسألة لم تكن مسألة شخص، بل مسألة مظلة شرعية حمت البلاد من التفتت الكامل.


إن المشكلة لم تكن في شخص هادي وحده، بل في عجزٍ أوسع أصاب النخبة اليمنية بمختلف اتجاهاتها. وتحويل كل ما جرى إلى قصة فشل رجل واحد قد يريح البعض أخلاقيًا وسياسيًا، لكنه لا يفسر ما حدث. فبعد أكثر من اثني عشر عامًا، ما يزال السؤال قائمًا: أين مشروع النخب التي تنتقده؟ وأين خيالها السياسي الذي تسخر من غيابه؟ وكيف وصلت البلاد إلى هذا المأزق الممتد حتى اليوم، رغم كل القوى والإمكانات التي وُضعت في مواجهة المشروع الحوثي؟


ولعل أخطر ما كشفت عنه السجالات التي أعقبت وفاة الرئيس هادي أنها أعادت إنتاج الأزمة ذاتها التي ساهمت في إضعاف الدولة من قبل؛ فبدلًا من مراجعة التجربة الوطنية بكل عناصرها، عاد الجدل إلى البحث عن شخص واحد تُختزل فيه أسباب الفشل، وكأن الأحزاب والقوى السياسية والنخب الثقافية والإعلامية كانت مجرد متفرج على ما جرى.


والحال أن بناء الدول مسؤولية جماعية، كما أن تعثرها نتاج تراكمي تشترك فيه قرارات الحكام وأداء المؤسسات ومواقف النخب وسلوك القوى الاجتماعية. ولهذا فإن أي مراجعة جادة للماضي لا تبدأ بالسؤال عمن نحمّله المسؤولية وحده، بل بالسؤال عما تعلمناه جميعًا من تلك التجربة، وكيف نتجنب تكرار الأخطاء ذاتها في المستقبل.


إن احترام الموت لا يعني إلغاء النقد، كما أن النقد لا يبرر التخلي عن الحد الأدنى من الحس الإنساني والإنصاف التاريخي. وما تحتاجه النخب اليوم ليس الاستمرار في محاكمة الماضي، بل البدء بمراجعة شجاعة لعجزها الذاتي، بدلًا من استسهال تعليق أخطاء مرحلة كاملة على مشجب رئيس رحل، وترك التاريخ ليقول كلمته بعيدًا عن انفعالات الفقد وخصومات اللحظة.


فالأمم لا تتقدم بمحاكمة موتاها كلما تعثرت، وإنما بمراجعة أخطاء أحيائها وهم ما يزالون قادرين على الفعل والتصحيح.