آخر تحديث :الجمعة-29 مايو 2026-10:53م

مشروع هادي… حلم الدولة في مواجهة الهيمنة والانفصال

الجمعة - 29 مايو 2026 - الساعة 09:20 م
أ.د مهدي دبان

أ.د مهدي دبان


كان مشروع فيدرالية الرئيس هادي رحمه الله تعالى عليه، محاولة أخيرة لإنقاذ وطن تتنازعه الأحقاد القديمة، وتنهشه مشاريع الاستحواذ والهيمنة... لقد أدرك الرجل، أو ربما شعر بحدسه السياسي والوطني، أن استمرار المركزية الخانقة يعني بقاء البلاد رهينة للهضبة الزيدية التي احتمت لعقود بغطاءات دينية واهية، ورسخت فكرة الاصطفاء الإلهي لتقسيم اليمنيين إلى سادة وعبيد، فيما تُنهب الأرض والثروة ويُمنع الناس من حقهم الطبيعي في الشراكة والعدالة... لذلك جاء مشروع الفيدرالية كنافذة أمل، وكصيغة تنزع فتيل الحروب وتعيد لكل منطقة حقها في القرار والثروة والكرامة. لكن القوى التي اعتادت احتكار السلطة رأت في المشروع نهاية لزمن الهيمنة، فرفضته، وانقلبت على الدولة والجمهورية، وأعادت البلاد إلى ما قبل سبتمبر، ثم أشعلت الحروب وعطلت مؤسسات الدولة وأغرقت اليمنيين في الخراب والجوع والدمار.


وفي الجنوب أيضاً، لم يُمنح المشروع فرصته الكاملة، إذ رُفض تحت شعارات استعادة الدولة السابقة، بينما كان الواقع الجديد ربما يفتح بابا لانسحاب تدريجي وآمن من وحدة ظالمة فُرضت بالقوة والإلحاق... لكن لغة الشعارات غلبت لغة السياسة، وتمترس الجميع خلف حسابات القوة والسيطرة على الأرض، ثم ما لبثت البوصلة أن ضاعت وسط التحالفات والتناقضات، فشارك كثيرون لسنوات ضمن إطار الشرعية نفسها التي رفضوها، قبل أن تتعقد المشاهد وتتشظى الأحلام، ليجد اليمنيون أنفسهم جميعا يعودون إلى ما قبل الدولة والجمهورية معاً، شمالاً وجنوباً.....وربما هنا تكمن المأساة .. الرئيس هادي حاول أن يجنب البلاد الانفجار الكبير، فوجد نفسه بين مشروعين متصارعين لا يريد أي منهما التنازل خطوة واحدة نحو الوطن... قد يختلف الناس حوله، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأنه أراد لليمن أن ينجو، وأن يبقى بيتاً يتسع للجميع، لا ساحة للحروب والثأر وتمزيق الهوية. واليوم، بعد كل هذا الخراب، يبدو سؤال اليمنيين أكثر وجعاً: ماذا لو أُعطي مشروع هادي فرصة حقيقية قبل أن تغلق أبواب الوطن بالدخان والبارود؟