آخر تحديث :الخميس-27 أغسطس 2026-09:19ص

أمريكا تهدد وإيران تتوعد والصين تحذر .. وعُمان ترد بكبرياء سياستها المعهودة

الجمعة - 29 مايو 2026 - الساعة 07:14 م
محمد خالد الحسيني



في خضم التصعيد المتسارع الذي يشهده العالم، تبدو منطقة الشرق الأوسط وكأنها تقف مجدداً على حافة مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها التهديدات العسكرية مع الصراعات السياسية وحروب النفوذ الدولية.

وبين إيران التي ترفع سقف التحدي، والصين التي توجه رسائل تحذير حادة لواشنطن، والإدارة الأمريكية التي تلوّح بالقوة العسكرية، برزت سلطنة عُمان بموقف مختلف يعكس طبيعة سياستها التقليدية القائمة على السيادة والاستقلال ورفض الضغوط الخارجية.

في طهران، جاءت التصريحات الأخيرة الصادرة عن إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، لتؤكد أن إيران لا تنظر إلى التحركات الأمريكية باعتبارها مجرد ضغوط سياسية عابرة، بل تراها تعبيراً عن مأزق استراتيجي تعيشه واشنطن في المنطقة. عزيزي وجّه رسائل مباشرة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبراً أن سياسة التهديد واستعراض القوة لم تعد قادرة على إخضاع إيران أو دفعها للتراجع عن خياراتها الاستراتيجية، سواء في الملف النووي أو في ملفات النفوذ الإقليمي.

الخطاب الإيراني اتسم بلهجة حادة حملت في طياتها تحذيراً واضحاً من أن أي مواجهة عسكرية قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة على المصالح الأمريكية وحلفائها في الشرق الأوسط، خاصة مع امتلاك طهران أوراق ضغط حساسة، يأتي في مقدمتها موقعها الجغرافي وسيطرتها المؤثرة على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة العالمية.

وفي إطار هذا التصعيد، شددت طهران على ما وصفته بالخطوط الحمراء التي لا يمكن التفاوض بشأنها، وعلى رأسها حقها الكامل في تخصيب اليورانيوم، ورفض أي قيود تعتبرها انتقاصاً من سيادتها، إضافة إلى المطالبة برفع شامل للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.

هذه الرسائل تعكس بوضوح أن إيران تسعى إلى فرض معادلة جديدة في التفاوض تقوم على الندية لا على الاستجابة للضغوط.

بالتزامن مع ذلك، دخلت الصين على خط التوتر الدولي برسائل سياسية وعسكرية موجهة إلى واشنطن، حيث أكدت وزارة الدفاع الصينية رفضها القاطع لاستمرار مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى تايوان، مطالبة الولايات المتحدة بالالتزام بمبدأ الصين الواحدة وعدم اتخاذ خطوات من شأنها تهديد الاستقرار الإقليمي أو الإضرار بالعلاقات الثنائية بين البلدين.

التحذير الصيني جاء ليعكس اتساع دائرة التوتر العالمي، ويؤكد أن الصراع بين القوى الكبرى لم يعد مقتصراً على منطقة واحدة، بل أصبح يمتد من الشرق الأوسط إلى شرق آسيا.

أما في الخليج، فقد أثارت التصريحات المنسوبة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن سلطنة عُمان حالة واسعة من الغضب والاستياء، خصوصاً بعدما اعتبر كثيرون أن لغة التهديد التي استُخدمت تمثل تجاوزاً غير مسبوق تجاه دولة عُرفت تاريخياً بسياساتها المتوازنة وعلاقاتها الدبلوماسية الهادئة.

الرد العُماني جاء حازماً ومعبّراً عن طبيعة المدرسة السياسية العمانية التي تقوم على الاستقلالية ورفض الإملاءات الخارجية.

فقد أكدت النخب السياسية والفكرية في السلطنة أن عُمان ليست دولة يمكن إخضاعها بمنطق التهديد أو الابتزاز المالي، وأن القرار العُماني ظل دائماً مرتبطاً بالمصلحة الوطنية العليا، بعيداً عن سياسة المحاور أو الارتهان للقوى الدولية.

ولم يقتصر الخطاب العُماني على الدفاع عن السيادة الوطنية فحسب، بل حمل أيضاً رسائل سياسية غير مباشرة لبعض الدول الخليجية التي تعتمد بشكل كبير على الحماية الأمريكية وصفقات السلاح الضخمة. حيث شددت الأصوات العُمانية على أن مسقط تتبنى نهجاً مختلفاً يقوم على التوازن والحوار وعدم الانجرار وراء سياسات التصعيد والحروب.

ويبدو أن الثبات العُماني في رفض الانخراط في أي مواجهة عسكرية ضد إيران يعكس إدراكاً عميقاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق نحو صراع إقليمي واسع قد يهدد استقرار الخليج بأكمله. فسلطنة عُمان لطالما لعبت دور الوسيط الهادئ بين الخصوم، وسعت إلى تقريب وجهات النظر بدلاً من تأجيج الصراعات.

في النهاية، تكشف هذه التطورات المتلاحقة عن عالم يعيش على وقع توترات متشابكة، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع الحسابات الإقليمية المعقدة.

وبين لغة التهديد الأمريكية، والتحدي الإيراني، والتحذيرات الصينية، والموقف العُماني المتزن، تبقى المنطقة أمام مرحلة مفتوحة على جميع الاحتمالات، في وقت يبدو فيه أن الدبلوماسية وحدها قد تكون القادرة على منع انفجار أزمة جديدة قد تتجاوز حدود الشرق الأوسط إلى النظام الدولي بأسره.


محمد خالد الحسيني