بقلم: عقيد/ محمد علي سند
*في أدبيات السياسة الحديثة هناك فرق جوهري وقاتل يغفل عنه الكثيرون:* الفرق بين مؤسسات إدارة الدولة و مؤسسات حماية النظام. فالأولى هي وزارات وهيئات خدمية (صحة، تعليم، بلديات) تهدف لتسيير حياة الناس اليومية وهي بطبيعتها تكنوقراطية ومحايدة. أما الثانية فهي المؤسسات التي تشكل الجهاز المناعي للدولة مهمتها الحفاظ على هوية النظام السياسي وحمايته من التآكل الداخلي أو السقوط أمام المشاريع السلالية أو الفوضوية.
لقد عانت الجمهورية منذ عام 1962 من اختلال ميزان القوى لصالح مؤسسات الإدارة بينما ظلت مؤسسات حماية الوعي الجمهوري غائبة أو صورية مما جعل النظام الجمهوري عرضة للاهتزاز عند أول عاصفة فكرية أو عسكرية.
*الفجوة التاريخية:* جمهوريات بلا حراس وعي
إن بقاء الجمهورية مرهون بمدى تجذر قيمها في عقل المواطن وعقيدة الجندي. ومنذ فجر الثورة لم تنشأ مؤسسات متخصصة في صناعة المواطن الجمهوري بشكل منهجي وعلمي بل اعتُمد على العاطفة الوطنية والخطب الرنانة. واليوم لم يعد هذا كافياً فنحن بحاجة إلى الانتقال من الجمهورية العفوية إلى الجمهورية المؤسسية.
*المقترح الضروري:*
المجلس الأعلى للأهداف الستة
*كأولوية قصوى لتحصين الدولة نطرح اليوم ضرورة إنشاء*
المجلس الأعلى للأهداف الستة
وهي مؤسسة سيادية تهدف إلى تحويل مبادئ ثورة 26 سبتمبر من نص تاريخي إلى دستور حياة ومنهج عمل من
خلال مسارين استراتيجيين
*1. هندسة الوعي التعليمي (من الابتدائية إلى ما بعد الدكتوراه):*
لا يمكن حماية الجمهورية بجيل يجهل تاريخ نضالها أو فلسفة وجودها. يتولى هذا المجلس إعداد خطط تعليمية وطنية شاملة تدمج أهداف الثورة في كل مراحل التعليم.
في التعليم الأساسي: تُغرس قيم الحرية والمساواة والكرامة.
*في التعليم الجامعي:* تُدّرس مادة الفكر الجمهوري كمتطلب وطني يحلل فلسفة الحكم الرشيد.
في الدراسات العليا: يفتح المجلس الباب لأبحاث ما بعد الدكتوراه لتطوير النظام الجمهوري، ومعالجة الثغرات التي أدت لتعثره تاريخياً، وابتكار حلول لإدارة التنوع والعدالة الاجتماعية.
*2. صياغة العقيدة العسكرية والأمنية:*
إن السلاح الذي لا يحركه وعي جمهوري هو سلاح قد يرتد في صدر الدولة. لذا يجب أن يكون شرط الالتحاق بالكليات والمعاهد العسكرية والأمنية مرتبطاً بمسار تأهيلي يشرف عليه هذا المجلس. لا يكفي أن يكون الجندي لائقاً بدنياً، بل يجب أن يكون مشبعاً فكرياً بأهداف الثورة الستة، بحيث يدرك أن وظيفته الأولى هي حماية النظام الجمهوري والدستور، وليس الأفراد أو الجماعات.
*حماية المستقبل تبدأ من المؤسسة:*
إن إنشاء مجلس أعلى يخص الأهداف الستة ليس ترفاً فكرياً، بل هو صمام أمان وطني.
إن الدول التي تحترم نفسها هي التي تبني مؤسسات تحمي هويتها من الزوال وبناء هذا المجلس، *يعني باختصار:* أننا قررنا أخيراً أن نحمي جمهوريتنا بالعلم والمنهج والمؤسسة الصارمة لضمان ألا نعود إلى عصور الظلام مرة أخرى.
*إن الجمهورية التي تُبنى في عقول الأطفال وفي عقيدة الجنود هي جمهورية لا تُقهر.*