آخر تحديث :الجمعة-29 مايو 2026-05:39م

المضايق البحرية وإعادة تشكيل القوة الدولية.. كيف يهدد هرمز وباب المندب فاعلية القواعد الأمريكية والغربية؟

الجمعة - 29 مايو 2026 - الساعة 01:51 م
د. جمال الهاشمي

في الحرب العالمية الثانية خرجت بريطانيا من المنطقة العربية وخلفت وراءها أمريكا بالإضافة إلى تحالفات قبلية جعلتها مرجعا لاستعادة وجودها يوما ما ولذلك ملأت أمريكا الفراغ الجيوعسكري البريطاني بشبكة من التحالفات والقواعد الأمريكية التي امتدت تمركزت في الخليج العربي وقنا وإسرائيل ثم توسعت في العراق والشام .

لكن القواعد العسكرية الأجنبية المنتشرة في الخليج والبحر الأحمر ومع الحرب على إيران لم تعد ضمانة مطلقة للهيمنة الغربية كما كان الحال بعد نهاية الحرب الباردة.

وهذا ما تفرضه التحولات الجيوسياسية الكبرى مع صعود عقلية فن الحرب [صن تزو) الصيني والتي تعتمد على إستراتيجية الانتصار دون قتال عبر الدبلوماسية والحصار الاقتصادي والضغوط النفسية .

كما أن إستراتيجية الخدع الاستراتيجية تعتمد على عنصر المفاجئة في الحروب الدولية .

لكن الحرب على إيران فعلت المبدأ الثالث من مبادئ الحكيم الصيني والذي يقوم على إستراتيجية المعرفة العسكرية للقوى المنافسة عبر استكشاف النفسية التي تتخذ القرار والعقلية المؤسسية والقدرة العسكرية وليس معيار القوة العسكرية لأن هناك فرق بين المفهومين.

هذه الصين المعاصرة صاحبة أهم مرجعية أصولية تاريخية في التاريخ المعاصر والتي تمتد عبر شبكة معقدة من الحكم الصينية المتنوعة ابتداء من التأمل الطبيعي ثم التنظيم الأخلاقي وأخيرا الفلسفة القانونية التي شكلت عقلية الحزب الشيوعي بثقافته الصينية التاريخية .

وهنا أظهرت الحرب الإيرانية قدرات الولايات المتحدة المنفصلة جذريا عن قوتها العسكرية لأن القدرة غالبا في الحروب الدولية تعطل القوة أو تفعلها وهو ما أظهر أمريكا أمام التحليل الصيني كقوة عسكرية جبارة لكنها غير قادرة على تفعيل الخطب السياسية في الواقع إضافة إلى ذلك أن القدرات الصينية أظهرت فاعلية في مواجهة التحالف الأمريكي الإسرائيلي وتعد هذه بداية لحرب غير مباشرة بين الصين وأمريكا في منطقة الشرق الأوسط.

وبالتالي ترتب عليه ضعف وتراجع النفوذ الأمريكي في المحيط الهادي تجنبا لمخاطر الانزلاق في حروب بحرية جديدة مع قوة من الصعب مواجهتها عسكريا أو تحمل كلفتها الاقتصادية وهنا انتصرت الصين دون حروب.. وهو مبدأ من مبادئ كسر العدو وأخضاعه ذاتيا ودبلوماسيا ومن مؤشرات تفعيل هذا المبدأ سفر الرئيس ترامب إلى الصين وهو ما يعني انتزاع الاعتراف من القطب الاحادي بقوة الصين الأصولية والمعاصرة .


كما أن عودة روسيا قد بدأت من المضائق البحرية التي تحولت عن صفتها كممرات تجارية إلى أدوات إستراتيجية لإعادة توزيع القوة الدولية.

وفي الحرب الروسية الأوكرانية التي تعد اول معركة حضارية مع العالم الغربي وأول مواجهة غير مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي استطاعت تفكيك الاتحاد السوفيتي بحروب الاقليات والقوميات والمعتقدات وهو ما يعرف باستراتيجية الاستنزاف الذاتي في العمق .

غير أن روسيا بوتين اليوم تقوم في حربها مع الغرب على أوكرانيا على إستراتيجية المفكر العسكري

ألكسندر سوفوروف صاحب كتاب علم الانتصار.

وتقوم فلسفته على مركزية الصبر الاستراتيجي انطلاقا من اعداد الذات التي تؤكد على أن التدريب الصعب يجعل من الحروب سهلة .

وقد استطاع المنظر العسكري ألكسندر سفيتشين أن يكيف هذه النظرية مع الواقع معتمدا على إستراتيجية الحروب الصاعقة والاستنزاف الطويل..

وهذا الاستنزاف الطويل التي اعتمدته روسيا في أوكرانيا أضعف الإمداد الغربي لها على مدى سنوات وهو ما قد يضعفها اقتصاديا وهذا إستراتيجية أخرى قد تقود إلى تفعيل إستراتيجية التأكل الذاتي للمجتمعات الغربية والأمريكية عبر تقديم الايدلوجيات الدينية والقومية والهوياتية المتطرفة واقصد هنا تعطيل الديمقراطية والنظام العلماني عبر رفع منسوب التوترات الهوياتية وهذه مسارات قهرية إجبارية، وقد أدركت إدارة ترامب هذا المسار فاضطرت إلى التركيز على مصالحها القومية غير أن انجرارها للدفاع عن إسرائيل عطل الاستراتيجية القومية الأمريكية وهنا نجد أن تضحيتها بالعالم الغربي دفعت اثمانه في حرب على إيران ومواجهة المعسكر الشرقي الذي تجنبته في أوكرانيا.


وعودة إلى المضائق حيث يبرز مضيقا هرمز وباب المندب بوصفهما مركزين حاسمين في الصراع على النظام العالمي القادم.

وتعيد ذاكرة الأمس بداية الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط وكيف قامت الإستراتيجية العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط على فكرة التمركز المتقدم بنشر القواعد العسكرية بالقرب من مصادر الطاقة وخطوط التجارة العالمية.

ولهذا انتشرت القواعد الأمريكية والغربية في الخليج العربي وتركزت قواعد بحرية ولوجستية في جيبوتي والبحر الأحمر بهدف ضمان السيطرة على الممرات البحرية ومنع أي قوة إقليمية أو دولية من تهديدها وهو ما يعني إلغاء السيادة الوطنية وتعطيل القدرات الاستثمارية للدول المطلة على المضائق البحرية لصالح النفوذ الغربي الأمريكي والتي تعد من أهم قواعد الاستثمار الدولي المعاصر للدول القادرة على بناء استراتيجيتها البحرية الهجينة بين الأمن والاستثمار.

أما اليوم فإن هذه القواعد رغم ضخامتها التقنية والعسكرية تعاني من معضلة جغرافية خطيرة نظرا لوجودها داخل نطاق الاختناق البحري.

واقصد أن القواعد الغربية تعتمد في بقائها وفاعليتها على خطوط إمداد بحرية ضيقة يمكن استهدافها أو تعطيلها بسهولة نسبية مقارنة بكلفة حمايتها.

ومع الحرب الإيرانية الأمريكية تحولت القواعد في الخليج الأمريكية إلى منشآت شبه محاصرة جغرافيا داخل فضاء مغلق نسبيا.

تحكمه إيران من الشمال وتراقبه الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق السريعة من داخل الجغرافيا المطلة .

وهنا تظهر معضلة التفوق غير الفعال؛ إذ تمتلك واشنطن قوة عسكرية عظيمة ومع هذا تعاني من قدرات إستراتيجية لأنها تعمل داخل مساحة جغرافية ضيقة تجعلها أكثر عرضة للاستنزاف والضغط الأمني المستمر وهو ما يعني أن كلفة البقاء والاستمرار يهددها اقتصاديا من الداخل الأمريكي.

أما في باب المندب فإن المشكلة أكثر تعقيدا واذا نظرنا إلى القواعد الأجنبية في جيبوتي سواء الأمريكية أو الفرنسية أو غيرها نجد أنها تعتمد على حرية الملاحة عبر البحر الأحمر و أي اضطراب في باب المندب يحول تلك القواعد إلى مواقع دفاعية مكلفة ومرهقة وهو ما قد يضعف قدراتها كمنصات هيمنة هجومية لا سيما إذا توسع تنظيم داعش في الصومال وبدأ بالتوسع نحو جيبوتي على غرار ما حدث في دول أفريقيا مع فرنسا .

إم المضيق الضيق كباب المندب يسمح للقوى غير النظامية أو الإقليمية باستخدام تكتيكات منخفضة الكلفة وعالية التأثير مثل الطائرات المسيرة والألغام البحرية والصواريخ الساحلية مما يرفع تكلفة الوجود العسكري الغربي بصورة مستمرة.

وهذا ما حدث بالفعل مع ضربات أمريكا على اليمن وترتب عليها تقييم المخاطر الذي أدى إلى خروجها من المواجهة لإنقاذها من الانجرار إلى حروب غير متكافئة على المدى الطويل ولا اقصد هنا أن للقوى اليمنية قوى عسكرية قادرة على مواجهة الترسانة الغربية أو الأمريكية وإنما ارجع سبب ذلك إلى الجغرافيا وطبيعتها التي منحت اليمن قدرات عسكرية والفرق كبير بين استراتيجية القوة التي تمتلكها أمريكا واستراتيجية القدرة التي تتميز بها اليمن وإيران وافغانستان .

بينما هذه القدرات لا تتميز بها كل من العراق وسوريا وحتى مصر .

ومن هنا بدأت تتشكل نظرية جديدة في الصراع الدولي يمكن تسميتها بإستراتيجية ردم المضائق والتي تشير الى أن القوى الصاعدة كالصين وروسيا ليست بحاجة إلى مواجهة البحرية الأمريكية مواجهة شاملة وأنما يكفيها تحويل المضائق إلى مناطق استنزاف أمني مزمن لاضعاف الهيمنة الغربية اقتصاديا وعسكريا.

وتدرك الصين أن الصدام المباشر مع الولايات المتحدة في المحيط الهادئ مكلف للغاية كما كانت أمريكا تدرك أن مواجهة الاتحاد السوفيتي عسكريا سيضعفها وهذه هي عقلية القوى الكبرى التي لا تضحي بمكاسبها في حروب صفرية وهنا تأتي إستراتيجية تقاسم المصالح .

ولذلك تتجه نحو إستراتيجية الالتفاف الجيوسياسي عبر ربط الاقتصاد العالمي بمشاريع بديلة مثل مبادرة الحزام والطريق وفي الوقت نفسه دعم بيئة دولية تقلل من احتكار الغرب للممرات البحرية. ومن هنا تأتي الفرضية المنهجية الموضوعة على طاولة الفكر الجيوستراتيجي أنه كلما أصبحت المضائق مناطق توتر دائم تراجعت قدرة الولايات المتحدة على فرض نظام أحادي مستقر.

أما روسيا فإنها تنظر إلى المضائق من زاوية استنزاف النفوذ الغربي.

وهنا نجد أن روسيا لا تحتاج إلى السيطرة المباشرة على هرمز أو باب المندب .

وهو ما يجعلها تعيد تقييم استراتيحية الاستنزاف في فكرها العسكري لكن اليوم ليس عبر سياسة الارض المحروقة وقطع الامداد داخل المجال الحيوي لها وإنما من استمرار الفوضى الأمنية في المضائق مما يجعل واشنطن مضطرة لإنفاق مواردها الضخمة لحماية طرق التجارة والطاقة.

وبهذا يتحول التفوق البحري الأمريكي من عنصر قوة إلى قدرات منكسره لا سيما وأن انكسار أمريكا قد مر عبر عدة محطات ابتداء بفيتنام ثم أفغانستان والعراق وأخيرا إيران التي ما تزال في بداية الصراع بل هو المركز الأخير لآخر محطات النفوذ الأمريكي الأحادي في العالم .


إن أخطر ما تواجهه الولايات المتحدة اليوم ليس فقدان القواعد العسكرية وإنما فقدان فاعلية القواعد التي كشفت مدى هشاشتها خلال الحرب الأخيرة لأن القوة العسكرية تفقد قيمتها عندما تصبح محاصرة داخل بيئة جغرافية معادية أو باهضة التشغيل.

ولذلك بدأت العقيدة العسكرية الأمريكية تتجه نحو تقليل التمركز الثابت والاعتماد أكثر على المرونة البحرية والتحالفات الإقليمية.

في المقابل تستفيد الصين وروسيا من هذا التحول عبر دعم مفهوم التعددية القطبية أي عالم لا تستطيع فيه قوة واحدة التحكم الكامل بالممرات البحرية والاقتصاد العالمي.

وكلما ضعفت القدرة الأمريكية على تأمين المضائق منفردة ازدادت حاجة العالم إلى ترتيبات دولية جديدة تقوم على التوازن والتعدد والقواعد الدولية .

ومن هنا يمكن فهم أهمية إيران في هذا المشهد كونها ليست فقط دولة إقليمية تتنازع مع واشنطن وإنما في كونها عقدة جغرافية قادرة على التأثير في قلب النظام البحري العالمي.

ولهذا فإن الصراع الأمريكي ـ الإسرائيلي مع إيران يتجاوز الملف النووي أو النفوذ الإقليمي ليصبح جزءا من معركة تدور حول مستقبل النظام الدولي .


إن معركة القرن الحادي والعشرين قد لا تحسم بالسيطرة على العواصم وإنما بالقدرة على التحكم في ممرات التجارة العالمية.

فهل تصبح المضائق البحرية أدوات لإعادة توزيع القوة بين الشرق والغرب وبين النظام الأحادي والنظام المتعدد الأقطاب؟

وبما ان الميدان هو الشرق الاوسط التي يضم العالم الاسلامي الكبير وفيه العالم العربي يبقى تساؤل يثير اهتمام المجتمعات أين نحن من العالم المتغير وما مصير هذه المنطقة من التحولات في المنطقة ؟

وتبقى الإجابة كما هي ثابتة أننا احجار بيادق على رقعة الشطرنج أكثر ما يمكننا القيام به التحول من حماية دولة عظمى تتهاوى إلى حماية دولى عظمى تتصاعد.

لكن ماذا لو أن الجغرافيا لم تجد غطاء دوليا لحمايتها لا سيما مع استمرار التنافس وهنا ستأتي الاجابة المرة أن تنقسم منطقة الشرق الأوسط بين قوى التنافس الدولي وهو ما يعني الخروج من توتر الأزمات الفوضوية المعاصرة إلى توترت منظمة تحكمها القوى القطبية .