في نهاية تراجيدية تليق بحجم التعقيدات التي عاشها اليمن طيلة العقد الماضي، أُسدل الستار على حياة الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي.
رحل الرجل تاركاً خلفه إرثاً من الصراع، ومحطات مريرة من الملاحقة التي لم تتوقف حتى أنفاسه الأخيرة، ليموت غريباً، منسياً، ومحروماً حتى من أبسط حقوق القادة والمواطنين على حد سواء: *أن يُوارى جثمانه ثرى الوطن.*
لم تكن حياة هادي السياسية في هرم السلطة سوى رحلة هروب ومطاردة مستمرة بين عواصم ومنافي، تقاسمت الأدوار فيها قوى الداخل والخارج:
*المحطة الأولى (صنعاء):* بدأت المأساة عندما حاصرته مليشيات الحوثي في العاصمة صنعاء عقب انقلابها على الدولة والجمهورية، مما اضطره للفرار سيراً نحو عدن بحثاً عن ملاذ آمن للشرعية.
*المحطة الثانية (عدن):*
لم تدم الطمأنينة طويلاً، إذ سرعان ما لاحقته مليشيات المجلس الانتقالي، ليعيد التاريخ نفسه بانقلاب آخر على مؤسسات الدولة، أجبره على مغادرة العاصمة المؤقتة نحو المملكة العربية السعودية.
*المحطة الأخيرة (الرياض):* هناك، خلف كواليس الدبلوماسية والسياسة، فُرضت عليه الإقامة الجبرية حتى وافته المنية، بقرار أنهى حكمه لأسباب وتشابكات سياسية يطول شرحها.
*"عاش مطارداً، ومات مشرداً، ووُورِيَ جثمانه منفياً.. حتى في موته لم يرحموه، وحرموه من أن يضمه تراب الوطن الذي حَمَل هويته."*
رغم كل الانكسارات والهروب الاضطراري من مدينة إلى أخرى، يحسب للرئيس الراحل أنه ظل طوال فترة حكمه حاملاً للمعنى القانوني والرمزي للدولة.
لم يكن هادي مجرد رئيس، بل كان يمثل "المركز القانوني" والشرعية الدستورية المعترف بها دولياً.
ورغم الضغوط الهائلة والمساومات العنيفة من المشاريع الصغيرة المتمثلة في انقلاب الحوثي شمالاً وتمرد الانتقالي جنوباً، إلا أنه رفض المساومة على تمثيل الدولة، وظل قابضاً على جمر الشرعية حتى اللحظات الأخيرة التي سُلِّمَت فيها السلطة، ليموت لاحقاً وهو (كالعاضّ على جذع شجرة في شعاب مكة) صابراً ومحتسباً في غربته.
برحيل عبدربه منصور هادي، لا تطوى فقط صفحة رئيس يمني، بل تُغلق واحدة من أكثر الحقبات السياسية تعقيداً في تاريخ اليمن الحديث.
رحل الرئيس الذي طارده القريب والغريب، وبقيت الدولة التي جاهد للحفاظ على هيكلها القانوني تواجه مصيراً مجهولاً، ليظل موته في المنفى شاهداً على قسوة السياسة وجحود الصراعات التي لا ترحم حتى الموتى.