آخر تحديث :الجمعة-29 مايو 2026-05:39م

تعز .. في ضيافة الجبل

الجمعة - 29 مايو 2026 - الساعة 09:47 ص
علي محمد سيقلي

في تعز، لم يكن الجو البارد وحده ما أدهشني، بل ذلك الشعور الذي يجعلك تكتشف أن المدن — مهما ازدحمت — لا تستطيع دائمًا أن تمنحك ما تمنحه قرية معلقة على كتف جبل.

كنت أبحث عن جو أبرد من توقعاتي، فوجدت نفسي أهرب من ضجيج المدينة، من عوادم السيارات، من الوجوه المستعجلة، ومن ذلك الزيف الذي يجعل المدن تبدو كأنها تبتسم وهي متعبة من الداخل.

قررت أن أذهب إلى حيث لا ضوضاء سوى صوت الريح، ولا ازدحام سوى الغيم حين يمر بين البيوت الحجرية.

وجهتي كانت جبل صبر…

ذلك الجبل الذي يقف عاليًا فوق تعز، كحارس قديم يراقب المدينة بعينٍ لا تنام، ويرى تفاصيلها كلها من علٍ، كأن المدينة موضوعة تحت عدسة منظار عملاق. من هناك، تبدو تعز قريبة جدًا… حتى إنك تشعر أنك تستطيع عدّ نوافذها، ومراقبة أنفاسها وهي تتمدد أسفل الجبل بهدوء مذهل.

ومن محطة “الباب الكبير” ركبت “الهايس”، دون خطة واضحة سوى أنني أريد أن أرى تعز من مكان يشبهها قبل أن تُرهقها الحياة.

وفي الطريق، تعرّفت على الدكتور معاذ الصبري… رجل يشبه أهل الريف حين يفتحون لك قلوبهم قبل أبوابهم. أصرّ أن أكون ضيفه في قريته “العروف صبر”، وحاولت — بكل الطرق الدبلوماسية الممكنة — الاعتذار، لكنه كان يتعامل مع اعتذاري كأنني أرتكب إساءة شخصية بحق الكرم اليمني.

ذهبنا…

وهناك، أذهلني كرم والد الدكتور معاذ وأسرته الكريمة. منذ اللحظة الأولى شعرت أنني لست ضيفًا عابرًا، بل واحدٌ من أهل البيت. اهتمام، وترحاب، ورعاية، وحرص صادق لا يمكن اختصاره في عبارة، ولا يمكن للصور أن تنقله كما هو. ذلك النوع من الكرم الذي يجعلك تخجل من نفسك وأنت تحاول شكرهم، لأن ما يقدمونه أكبر من كلمات الامتنان نفسها.

تغدّينا، ثم قال لي ببساطة: “هذا بيتك… وهذا مطرحك… وخذ راحتك، وافتح كاميرتك من هنا.”

ومن هناك، فهمت لماذا يحب الناس الجبال.

المدينة كانت تبدو من الأعلى كطفلة متعبة تنام في حضن الضوء. والهواء هناك، ليس هواءً فقط، بل شيء يشبه السلام.

وما لم أكن أتوقعه أن خلف “العروف” مسقط رأس صديقي، قرى أكثر جمالًا وقربا بالنسب: قرية اسمها “عدن”، وأخرى تُدعى “المرزوع”، وقرية “قراضة”، وقرى أخرى خانتني الذاكرة في حفظ أسمائها، لكنها بقيت محفوظة في قلبي بصورة لا تُنسى.

من العروف نفسها، تشعر أن الناس ما زالوا يشبهون الحياة الأولى، وأن الأبواب تُفتح بلا مواعيد، وأن الكرم لا يحتاج إلى مناسبة، وأن الريف اليمني — مهما أتعبته الأيام — ما زال يحتفظ بروحه النقية.

أما أنا، فكنت فقط أحاول أن ألتقط صورة، لكن جبل صبر التقطني أنا.

وها هي الصور…

عيدكم سعيد يا أصدقاء، من أعلى الجبل، حيث تبدو المدن أصغر، وتبدو الحياة أوضح.

علي سيقلي

الخميس الموافق 28 مايو 2026م

تعز - جبل صبر