آخر تحديث :الخميس-27 أغسطس 2026-09:19ص

الحج والمونديال والخليج والانتخابات .. عوامل تؤجل الحسم الأمريكي

الجمعة - 29 مايو 2026 - الساعة 09:31 ص
محمد خالد الحسيني



بين خيار الحرب وضغوط الواقع، يبرز سؤال جوهري .. هل التفاوض الأمريكي مع إيران مجرد تكتيك مرحلي، أم أنه صراع مؤجل بانتظار توقيت أكثر ملاءمة؟

وهل أصبح الوقت سلاحًا بيد إيران أم بيد أمريكا؟ ومن الطرف الذي يجيد استثماره بصورة أفضل؟

كيف قيّدت الظروف اندفاع الولايات المتحدة نحو المواجهة مع إيران؟

فالحج، ومونديال كأس العالم، والخليج، والانتخابات الأمريكية، كلها عوامل تؤجل أو على الأقل تعرقل الحسم الأمريكي.

لا يمكن بأي حال تفسير تراجع الولايات المتحدة، أو انخفاض حدة تهديداتها بالحرب، على أنه تخَلٍّ عن أهدافها تجاه إيران أو تغيير في طبيعة سياستها.

فالعقلية السياسية والاستراتيجية الأمريكية ما تزال قائمة على الحفاظ على النفوذ، وممارسة الضغط، وتحقيق المصالح، إلا أن الظروف المحيطة فرضت على واشنطن التعامل بقدر أكبر من الحذر والمرونة، ودفعَتها مؤقتًا إلى الانتقال من لغة التصعيد المباشر إلى مسار المفاوضات والتهدئة السياسية.

غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة أصبحت أقرب إلى تسوية نهائية للأزمة، بقدر ما يعكس محاولة لإدارة الوقت وتأجيل الحسم إلى مرحلة تراها واشنطن أكثر ملاءمة لمصالحها وحساباتها.

فالولايات المتحدة تدرك أن أي مواجهة واسعة مع إيران، في التوقيت الحالي، قد تفرض عليها أثمانًا سياسية واقتصادية وأمنية مرتفعة، سواء داخليًا أو خارجيًا.

داخليًا، تواجه الإدارة الأمريكية ضغوطًا متعددة، من بينها اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وما يرافقها من حساسية تجاه الدخول في حروب جديدة قد تؤثر على المزاج الشعبي الأمريكي.

كما أن استضافة الولايات المتحدة لبطولة كأس العالم تمثل عاملًا إضافيًا يدفع نحو تجنب أي توترات كبرى قد تنعكس على الاستقرار الداخلي والصورة الدولية للبلاد، إلى جانب اعتبارات أخرى مرتبطة بالاقتصاد والرأي العام.

أما خارجيًا، فتواجه واشنطن ضغوطًا من حلفائها التقليديين الذين لا يرغبون في الانجرار إلى مواجهة واسعة في المنطقة.

فدول الخليج تدرك أن أي ضربة عسكرية ضد إيران لن تبقى محصورة في إطارها العسكري، بل ستنعكس تداعياتها الأمنية والاقتصادية مباشرة على المنطقة الخليجية، ما يجعلها من أكثر الأطراف تضررًا من أي تصعيد جديد.

لذلك برزت تحركات خليجية تدفع باتجاه التهدئة ومنع الانزلاق نحو الحرب.

وفي السياق ذاته، لا يُستبعد أن تكون السعودية قد فضّلت التهدئة في هذا التوقيت تحديدًا، بحكم مسؤوليتها عن استضافة حجاج بيت الله الحرام، وما قد يترتب على أي تصعيد عسكري من مخاطر تهدد أمن الحجاج وسلامة المنطقة عمومًا، خصوصًا أن المملكة تتحمل مسؤولية تنظيم هذه المناسبة الدينية الكبرى وتأمينها.

إضافة إلى ذلك، تواجه الولايات المتحدة تحديات دولية مرتبطة بتزايد الحضور الصيني والروسي في المنطقة، ومحاولات بكين وموسكو توسيع نفوذهما وتقليص مساحة الهيمنة الأمريكية التقليدية، وهو ما يدفع واشنطن إلى تجنب خطوات قد تؤدي إلى خسارة حلفائها أو منح خصومها فرصة أكبر للتوسع.

ومن هنا تبرز أهمية عامل الوقت باعتباره العنصر الأكثر تأثيرًا في المشهد.

فالولايات المتحدة قد ترى في كسب الوقت وسيلة لإعادة ترتيب أوراقها وتهيئة ظروف أكثر ملاءمة للتحرك مستقبلًا، لكنها في المقابل تواجه معادلة معقدة، لأن الوقت نفسه يمنح إيران فرصة لإعادة التموضع، وتعزيز قدراتها، وتخفيف آثار الضغوط المفروضة عليها.

وبهذا المعنى، يبدو أن الوقت يخدم الطرفين، لكن بطرق مختلفة، فالولايات المتحدة تستخدمه لتجنب مواجهة غير مضمونة النتائج في المرحلة الحالية، بينما تنظر إليه إيران باعتباره فرصة لتعزيز موقعها وإثبات قدرتها على الصمود.

ومع ذلك، تبدو إيران على المدى القريب على الأقل أكثر استفادة من استمرار حالة التأجيل، لأنها تعتبر أن بقاء الأزمة دون حسم، واستمرار قدرتها على الصمود تحت الضغط، يمثلان بحد ذاتهما شكلًا من أشكال النجاح السياسي والاستراتيجي.


محمد خالد الحسيني