حين يُطلُّ العيد، تتبدّل ملامح المدن، وتفيض الطرقات بالحياة، وتمتلئ البيوت بالبهجة والسرور. الأطفال يركضون بملابسهم الجديدة، والضحكات تتعالى في المجالس، والقلوب تتبادل التهاني والمودة.
يبدو العيد وكأنه مساحة واسعة للفرح لا مكان فيها للحزن، غير أن خلف هذه الصورة المضيئة تختبئ قلوب مثقلة بالألم، لا تعرف من العيد إلا مرارة الحرمان.
هناك من يستقبل العيد بعين دامعة وقلب منكسر، الفقير الذي لا يملك ثمن كسوة لأطفاله، ولا يستطيع أن يوفر لهم أبسط ما يجعلهم يشعرون أنهم مثل بقية الأطفال. بينما ينشغل الناس بمظاهر الفرح، ينشغل هو بكيفية إخفاء عجزه، وكيف يواجه نظرات أبنائه وأسئلتهم التي تنهش قلبه بصمت.
ومع مرور الوقت، يتحول العيد عند بعض الفقراء من مناسبة للفرح إلى موسم يوقظ الجراح، فيحاول بعض الآباء إبعاد أبنائهم عن مخالطة أقرانهم، خشية أن يكبر في نفوسهم الشعور بالنقص، لكن الحرمان لا يُخفى، والأسى لا يختفي بالعزلة، بل يترسخ أكثر في القلوب الصغيرة.
إن المأساة الحقيقية ليست في الفقر وحده، بل في اعتياد الناس على مشاهد المحتاجين حتى تصبح معاناتهم أمراً عادياً لا يوقظ إحساساً ولا يحرك ضميراً، كم من أناس ينفقون الأموال على الكماليات، بينما هناك أسر لا تجد ما تستر به أبناءها يوم العيد؟ وكم من طفل يراقب فرحة الآخرين بصمت، لأنه يعلم أن نصيبه من العيد مجرد أمنية؟
العيد لا يكون عيداً حقيقياً ما دام هناك من يستقبله بالجوع والحسرة .. فرحة العيد لا تكتمل بزينة البيوت وكثرة المظاهر، بل تكتمل حين يجد المحتاج من يشعر به، ويخفف عنه قسوة الحاجة، ويمنحه شيئاً من الكرامة قبل المال.
إن أعظم ما يمكن أن يقدمه الإنسان في العيد ليس كثرة ما يملك، بل مقدار الرحمة التي يحملها في قلبه.
فَرُبّ عطاء صغير يعيد البسمة لطفل، وربّ التفاتة صادقة تمسح حزناً ثقيلاً عن أسرة كاملة.
فلنفتش عن الفقراء قبل أن نفتش عن مظاهر العيد، ولنوقظ ضمائرنا قبل أن تنام طويلاً.
لأن العيد الذي يبكي فيه الفقراء، ليس عيداً كاملاً كما ينبغي أن يكون.
محمد خالد الحسيني