في فجرِ أولِ أيامِ عيدِ الأضحى المبارك، تتعانقُ الأرواحُ مع نفحاتِ الإيمان، وتفيضُ القلوبُ بالسكينةِ والفرح، بعد أن تُوِّجت هذه الأيامُ المباركةُ بيومِ عرفة؛ ذلك اليومُ العظيمُ الذي تتنزلُ فيه الرحمات، وتُفتحُ فيه أبوابُ المغفرة، ويباهي اللهُ سبحانه وتعالى ملائكتَه بعباده الواقفين على صعيدِ عرفات، جاءوا من كل فجٍّ عميق، ومن كلِّ لونٍ ولسان، تجمعهم كلمةُ التوحيد، وترفعهم دموعُ الرجاء، يرجون عفوَ اللهِ ورضوانَه، ويطمعون في رحمته التي وسعت كل شيء.
ما أعظمَ ذلك المشهد الإيماني المهيب، حين تقفُ الملايينُ بقلوبٍ خاشعةٍ وأيدٍ مرفوعة، لا فرقَ بين غنيٍّ وفقير، ولا بين عربيٍّ وأعجمي، الكلُّ عبادٌ لله، والكلُّ يرجو رحمتَه ومغفرتَه. إنّه يومٌ تتطهّرُ فيه النفوس، وتسمو فيه الأرواح، ويشعرُ الإنسانُ فيه بقربه الحقيقي من خالقه، فيزدادُ يقينًا بأن رحمةَ الله أعظمُ من الذنوب، وأن بابَ التوبةِ مفتوحٌ لكلِّ من عاد إليه بقلبٍ صادق.
ثم يطلُّ علينا عيدُ الأضحى المبارك، عيدُ الطاعةِ والتضحيةِ والإيمان، العيدُ الذي تتجلّى فيه معاني الامتثال لأمر الله عز وجل، اقتداءً بخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، حين رأى في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل، فاستجاب لأمر ربّه بكلِّ رضا وتسليم، واستجاب الابنُ البارُّ لأمر الله بقلبٍ مؤمنٍ مطمئن، في مشهدٍ خالدٍ تهتزُّ له المشاعر، وتتعلمُ منه البشريةُ أعظمَ معاني الطاعةِ والثقةِ بالله.
وحين بلغ الإيمانُ قمّته، والفداءُ ذروتَه، جاء لطفُ الله ورحمتُه، ففدى إسماعيلَ بكبشٍ عظيمٍ من الجنة، لتبقى هذه القصةُ نورًا يهدي الأجيال، وتبقى شعيرةُ الأضحية سنةً عظيمةً يتقربُ بها المسلمون إلى الله في مشارق الأرض ومغاربها، يذبحون أضحياتهم ابتغاءَ مرضاةِ الله، ويُحيون بها معاني البذلِ والعطاءِ والإحسان.
إن عيدَ الأضحى ليس مجرّدَ أيامِ فرحٍ عابرة، بل هو مدرسةٌ للأخلاقِ والمحبةِ والتراحم. ففيه تتجددُ صلةُ الأرحام، وتلتقي العائلاتُ على المحبةِ والصفاء، وتُفتحُ البيوتُ للزائرين، وتتصافحُ القلوبُ قبل الأيدي، وتذوبُ الخلافاتُ أمام عظمةِ هذه المناسبةِ المباركة. فما أجملَ أن يكون العيدُ فرصةً لإصلاحِ ذاتِ البين، ونبذِ الخصومات، وإحياءِ روحِ الأخوةِ والتسامح.
وفي العيدِ أيضًا تتجلى معاني التكافلِ والتعاون، حين تمتدُّ الأيدي بالعطاء للفقراء والمحتاجين، وحين يُدخل الناسُ السرورَ إلى قلوبِ الأطفالِ بضحكاتهم وثيابهم وفرحتهم البريئة، وإلى نفوسِ كبارِ السنّ بالكلمةِ الطيبةِ والزيارةِ والاهتمام. فالعيدُ الحقيقيُّ هو أن نصنعَ الفرحَ في قلوب الآخرين، وأن نشعرَ من حولنا بأنهم ليسوا وحدهم.
فلنجعلْ من هذا العيدِ المبارك بدايةً جديدةً للنقاءِ والمحبة، ولنزرعْ فيه البسمةَ والأمل، ولنجعلْ أيامَه عامرةً بالطاعةِ والذكرِ وصلةِ الرحمِ والتسامح. نسألُ اللهَ أن يتقبلَ من الحجاجِ حجَّهم، ومن المسلمين صالحَ أعمالهم، وأن يعيدَ هذه الأيامَ المباركةَ على الأمةِ الإسلاميةِ بالخيرِ واليُمنِ والسلام، وأن يملأَ قلوبَ الجميعِ بالطمأنينةِ والرضا والسعادة. عيدكم مبارك، وكلُّ عامٍ وأنتم إلى الله أقرب.
مقال ل صبري سالم بن شعيب
26 مايو 2026م
العاصمة المؤقتة عدن