آخر تحديث :الإثنين-25 مايو 2026-02:24ص

الحق العام لا يسقط بالصلح.. قراءة قانونية في أداء المنظومة الأمنية

الإثنين - 25 مايو 2026 - الساعة 12:52 ص
عبدالناصر حراشي

تشكل المنظومة الأمنية الركيزة الأساسية لاستقرار الدولة، وصمام الأمان لحماية المجتمع وصون الحقوق والحريات، ولا يمكن لأي سلطة أن تحقق هيبتها أو تفرض سيادة القانون ما لم يكن العمل الأمني منضبطاً بالقواعد القانونية والإجراءات الجزائية السليمة.


إلا أن ما نشهده في الآونة الأخيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من تضارب في التوجيهات والقرارات المتعلقة ببعض قضايا الرأي العام الحساسة — وفي مقدمتها جرائم اغتصاب الأطفال والجرائم الجسيمة — يكشف عن حالة من الارتباك الإداري والتخبط الإجرائي داخل بعض مفاصل العمل الأمني، وهو أمر ينعكس بصورة مباشرة على ثقة المجتمع بمؤسسات إنفاذ القانون.


إن صدور توجيهات متعارضة بالإيقاف أو الإفراج، سواء من بعض الجهات التنفيذية أو القيادات الأمنية، بحق مسؤولي الأمن في المديريات، يثير تساؤلات مشروعة حول مدى الإلمام القانوني بطبيعة هذه الجرائم وحدود الاختصاصات والصلاحيات المقررة قانوناً.


أولاً: الخلل في فهم الطبيعة القانونية للجرائم

إن جوهر الإشكالية لا يكمن في القضية ذاتها بقدر ما يكمن في ضعف الإدراك القانوني لدى بعض القائمين على تنفيذ الإجراءات الأمنية، خصوصاً فيما يتعلق بالتمييز بين: • جرائم الشكوى والحق الخاص. • وجرائم الحق العام ذات الخطورة المجتمعية.

فجرائم الشكوى هي الجرائم التي قيد فيها المشرّع تحريك الدعوى الجزائية بتقديم شكوى من المجني عليه، ويجوز فيها الصلح أو التنازل وفقاً للحدود التي رسمها القانون.


أما جرائم الحق العام فهي الجرائم التي يتجاوز ضررها المجني عليه لتشكل اعتداءً مباشراً على أمن المجتمع واستقراره وسكينته العامة، وبالتالي تصبح الدولة فيها هي صاحبة المصلحة الأصيلة في الملاحقة والعقاب.


ومن المبادئ القانونية المستقرة أن جرائم الحق العام لا يجوز التصرف فيها خارج إطار السلطة القضائية المختصة، ولا يملك رجل الضبط القضائي أو أي مسؤول أمني حفظها أو إيقاف إجراءاتها أو الإفراج عن المتهمين فيها استناداً إلى تنازل أو صلح أو ضغوط اجتماعية أو إعلامية.


ثانياً: خطورة الجرائم الجسيمة ووجوب التعامل معها وفق القانون

إن جرائم القتل العمد، واغتصاب الأطفال، والتقطع، والحرابة، والسرقات بالإكراه، والحريق العمد، وتفجير الممتلكات، وغيرها من الجرائم الجسيمة، تُعد من أخطر الجرائم الماسة بأمن المجتمع وطمأنينته، ولا يجوز بأي حال من الأحوال تسويتها داخل أقسام الشرطة أو إدارات الأمن عبر وساطات أو صلح قبلي أو اجتماعي.


فالتنازل في مثل هذه الجرائم لا يؤدي إلى سقوط الحق العام، ولا يعفي الجناة من المساءلة الجزائية، بل يتوجب قانوناً استكمال إجراءات الاستدلال والتحقيق وإحالة المتهمين مع ملفات القضايا إلى النيابة العامة المختصة ومنها إلى القضاء للفصل فيها وفقاً للقانون.


إن التهاون في تطبيق مبدأ الحق العام في القضايا الجسيمة يفتح الباب أمام تكرار الجرائم، ويؤدي إلى انهيار الردع العام والخاص، ويزعزع ثقة المواطنين بأجهزة العدالة والأمن.


ثالثاً: الحاجة الملحة لإعادة تصحيح المنظومة الأمنية

لقد كشفت بعض الوقائع الأخيرة عن وجود قصور واضح في التأهيل القانوني والإجرائي لدى بعض الكوادر الأمنية، الأمر الذي يستوجب مراجعة جادة وشاملة لآليات العمل الأمني، بما يضمن بناء مؤسسة أمنية محترفة قادرة على تطبيق القانون بعيداً عن الارتجال أو التدخلات أو الاجتهادات الخاطئة.


ومن هذا المنطلق، فإن الواجب الوطني والمسؤولية المهنية يفرضان العمل على:

1- إعادة تقييم وغربلة المنظومة الأمنية، وإسناد المواقع القيادية الأمنية والبحثية للكفاءات المؤهلة علمياً ومهنياً وقانونياً.

2- تنظيم دورات تدريب وتأهيل قانوني مستمرة لرجال الضبط القضائي، لتعزيز فهمهم للإجراءات الجزائية وحدود صلاحياتهم وطبيعة الجرائم التي يجوز فيها الصلح وتلك التي لا يجوز التصرف فيها.

3- تفعيل مبدأ الثواب والعقاب، ومحاسبة أي مسؤول أمني يتجاوز اختصاصاته القانونية أو يقوم بالإفراج عن متهمين في قضايا جسيمة دون أوامر صريحة من النيابة العامة أو القضاء المختص. 4- تحصين القرار الأمني من الضغوط الاجتماعية والإعلامية والسياسية، وجعل القانون وحده المرجعية العليا في التعامل مع القضايا الجنائية.

إن هيبة الدولة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بتطبيق القانون بعدالة وحزم، وإن حماية المجتمع — وفي مقدمة ذلك حماية الأطفال والضحايا — تبدأ من وجود جهاز أمني مهني يدرك أن وظيفته الأساسية ليست إرضاء الأطراف، بل حماية القانون وإنفاذ العدالة وصون الأمن العام.


فالعدالة لا تستقيم بجهل القائمين على تنفيذها، وسيادة القانون لا تتحقق إلا حين يكون الجميع، أفراداً ومسؤولين، خاضعين لأحكامه دون استثناء.