لم يعد العيد في المدن اليمنية كما كان يومًا.لم تعد الشوارع تستقبل المناسبة بالفرح ذاته، ولا الأسواق تضج بالحياة نفسها التي عرفها اليمنيون لسنوات طويلة، حين كانت الأعياد مساحة نادرة للهروب من تعب الحياة، ونافذة صغيرة يدخل منها الفرح إلى البيوت البسيطة.
اليوم، يبدو كل شيء مختلفًا.
العيد يقترب، لكن القلوب مرهقة، والوجوه شاحبة، والأسواق التي تمتلئ بالناس تخفي خلف ازدحامها حكايات موجعة من الفقر والعجز والانكسار.
في الأزقة الشعبية والأسواق القديمة ومحلات الملابس وأسواق المواشي، يتحرك المواطنون بخطوات بطيئة، يحملون في داخلهم قلقًا أكبر من قدرتهم على الاحتمال.
لم يعد السؤال عن نوع الأضحية أو شكل ملابس العيد، بل عن إمكانية توفير أبسط متطلبات الحياة في ظل موجة غلاء خانقة التهمت ما تبقى من قدرة الناس على الصمود.
في الاسواق تتكرر المشاهد ذاتها كل يوم.
أطفال يركضون خلف الأغنام بفرح بريء، وعيون صغيرة تلمع بالحماس كلما اقتربت من خروف أو عجـل، بينما يقف الآباء على مسافة قصيرة، يراقبون الأسعار بوجوه مثقلة بالصمت.
ثمة وجع عميق يختبئ خلف ذلك الصمت.
وجع آباء يدركون أن أحلام أطفالهم البسيطة أصبحت أكبر من قدرتهم.
ووجع أمهات يحاولن بكل الطرق أن يصنعن فرحة صغيرة داخل بيوت أنهكتها الحرب والفقر وارتفاع الأسعار.
الأضحية التي كانت لسنوات طويلة جزءًا ثابتًا من طقوس العيد، تحولت اليوم إلى عبء ثقيل لا تستطيع آلاف الأسر الاقتراب منه.
أسعار الأغنام ارتفعت بشكل مخيف، حتى أصبح شراء خروف متوسط الحجم يحتاج إلى راتب أشهر كاملة بالنسبة لموظفين بالكاد يجدون ما يسد رمق أسرهم.
والمأساة لا تتوقف عند الأضحية فقط.
ملابس الأطفال أصبحت حلمًا آخر مؤجلًا.
أسعار الأحذية والملابس تقفز بشكل جنوني، فيما تقف الأمهات داخل المحلات وهن يحملن القليل من المال والكثير من الحيرة، يحاولن المقارنة بين الأسعار، أو البحث عن قطع رخيصة قد تمنح أطفالهن شيئًا من فرحة العيد.
في كثير من البيوت، بدأ الحديث عن العيد يتحول إلى مصدر قلق بدلًا من أن يكون مناسبة للبهجة.
أسر كاملة تؤجل شراء الاحتياجات الأساسية على أمل توفير شيء بسيط للأطفال، بينما تتراكم الديون وتزداد الأعباء يومًا بعد آخر.
في ليالي ما قبل العيد، كانت المدن اليمنية قديمًا تبدو مختلفة تمامًا.
الأصوات تعلو بالضحكات، والروائح المنبعثة من المنازل والأسواق تحمل معنى الحياة، والأطفال ينامون وهم يحلمون بملابسهم الجديدة وصباح العيد.
أما اليوم، فكثير من البيوت تعيش صمتًا ثقيلًا.
ثمة آباء يتهربون من أسئلة أطفالهم عن الأضحية.
وأمهات يحاولن إخفاء دموعهن حين يعجزن عن شراء ملابس جديدة لأبنائهن.
وأطفال بدأوا يكبرون قبل أوانهم، بعدما تعلموا مبكرًا معنى العجز والفقر والحرمان.
الأصعب من الفقر نفسه، هو الشعور بالعجز أمام أمنيات صغيرة.
أن يرى الأب ابنه يقف طويلًا أمام واجهة محل للملابس دون أن يستطيع شراء شيء له.
أن تسمع الأم ابنتها تتحدث بحماس عن فستان العيد بينما تعرف في داخلها أن ثمنه يساوي ما تبقى من مصروف أسبوع كامل.
أن يتحول العيد، الذي كان يومًا موسمًا للفرح، إلى مناسبة تكشف هشاشة الحياة وقسوة الظروف التي يعيشها الناس.
وفي الأسواق، تبدو الملامح مرهقة أكثر من أي وقت مضى.
الناس يسيرون وهم يحسبون أسعار كل شيء بدقة موجعة؛ سعر الأضحية، سعر الملابس، سعر الدقيق، سعر الزيت، وحتى الحلوى التي كانت من أبسط طقوس العيد أصبحت فوق قدرة كثير من الأسر.
الغلاء لم يترك شيئًا إلا وطاله.
حتى الذين كانوا من الطبقة المتوسطة أصبحوا اليوم عاجزين عن مجاراة تكاليف الحياة، بعدما التهم الانهيار الاقتصادي رواتبهم ومدخراتهم وأحلامهم الصغيرة.
ورغم الحديث عن تحسن نسبي في سعر صرف العملات الأجنبية خلال الفترة الأخيرة، إلا أن ذلك لم ينعكس على حياة المواطنين.
فالأسعار ما تزال مرتفعة، والأسواق ما تزال تلتهم ما تبقى من دخل الناس، بينما يقف المواطن وحيدًا في مواجهة واقع يزداد قسوة كل يوم.
في الأحياء الفقيرة، بدأت كثير من العائلات تستعد للعيد بطريقة مختلفة تمامًا.
بعضهم قرر الاستغناء عن الأضحية للمرة الأولى منذ سنوات طويلة.
وأسر أخرى اكتفت بشراء ملابس لطفل واحد فقط، فيما سيضطر بقية الأطفال لارتداء ملابس الأعوام الماضية.
حتى موائد العيد لم تعد كما كانت.
الأطباق التي كانت تجمع العائلات أصبحت أقل، والقدرة على شراء اللحوم والحلويات تراجعت بشكل مؤلم، بينما تحاول الأمهات إخفاء ذلك النقص حتى لا يشعر الأطفال بأن الفقر سرق منهم العيد أيضًا.
ورغم كل هذا التعب، لا يزال اليمنيون يحاولون التمسك بشيء من الأمل.
يحاولون أن يصنعوا فرحة صغيرة من لا شيء.
يحاولون أن يقاوموا الانكسار بابتسامة، وأن يحموا أبناءهم من الإحساس الكامل بحجم المأساة.
لكن الحقيقة المؤلمة تظل واضحة في كل زاوية من المدينة؛الحرب لم تسرق الاقتصاد فقط، بل سرقت الطمأنينة من البيوت، وأخذت من الناس قدرتهم على الفرح البسيط.
ومع اقتراب العيد، تبدو المدن كمدينة تحاول أن تبتسم رغم كل شيء، بينما تخفي خلف ازدحام أسواقها وجوهًا متعبة وقلوبًا مثقلة بالهموم.
فالوجع الحقيقي ليس فقط في ارتفاع الأسعار، بل في ذلك الشعور القاسي الذي يتسلل إلى آلاف الآباء والأمهات وهم يدركون أن أبناءهم قد يستقبلون العيد هذا العام بأمنيات ناقصة وقلوب صغيرة لم تفهم بعد لماذا أصبح الفرح صعبًا إلى هذا الحد.
وفي بلد أنهكته الحرب والفقر والانهيار الاقتصادي، لم يعد العيد مناسبة ينتظرها الناس بلهفة كما كان في السابق، بل أصبح موسمًا ثقيلًا تختلط فيه التكبيرات بآهات العاجزين، وتمتلئ فيه البيوت بالدعاء أكثر من امتلائها بالفرح.
ومع كل يوم يقترب فيه العيد أكثر، يزداد سؤال موجع يتردد بصمت داخل آلاف البيوت اليمنية:
كيف يمكن للناس أن يصنعوا فرحة العيد، بينما الحياة نفسها أصبحت أثقل من قدرتهم على الاحتمال؟