آخر تحديث :الأحد-24 مايو 2026-09:53م

تجديد كادر الادارة العامة وحتمية التغيير لكسر احتكار المناصب.

الأحد - 24 مايو 2026 - الساعة 01:12 م
د. عارف محمد عباد السقاف

تعاني العديد من مؤسسات الدولة من ظاهرة مزمنة تتمثل في بقاء عدد من القيادات الإدارية في مواقعها لفترات طويلة قد تمتد الى عشرات السنين، دون تغيير يذكر او تقييم جاد لادائها. هذه الحالة لا يمكن النظر اليها باعتبارها مجرد استقرار وظيفي، بل هي في كثير من الاحيان مدخل مباشر لخلق بيئات فساد مغلقة تتشكل فيها مراكز نفوذ، وتتداخل فيها المصالح، ويصبح المنصب والمؤسسة التي تدار وكأنهم ملكية خاصة او امبراطورية ادارية لا تقبل المنافسة.


ومن الانصاف القول ان طول البقاء في المنصب ليس عيبا بحد ذاته اذا ارتبط بالكفاءة والانجاز وحسن السلوك، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب المعايير والاليات التي تفرق بين المسؤول المنتج وغيره، وفي غياب التدوير الوظيفي الذي يضمن تجدد الدماء ويمنع احتكار السلطة الادارية.


ان استمرار هذا الوضع يترتب عليه اثار سلبية عميقة، من ابرزها:


ترسيخ الفساد الاداري نتيجة تشكل شبكات مصالح يصعب تفكيكها.


تعطيل و إحباط الكفاءات الشابة وحرمانها من فرص اثبات الذات.


ضعف الابتكار والتطوير داخل المؤسسات.


تراجع ثقة المجتمع في الاداء الحكومي.


تحول بعض المؤسسات الى كيانات مغلقة تدار بعقلية فردية واسرية في بعض الأحيان.


ولمعالجة هذه الظاهرة بشكل عملي، لا بد من تبني حزمة من القوانين والاصلاحات والتشريعات الجادة، من اهمها:


اولا: تحديد مدة زمنية واضحة لكل منصب قيادي، بحيث لا يكون البقاء مفتوحا دون سقف زمني.


ثانيا: النص صراحة في قرار التكليف على تاريخ بداية ونهاية شغل المنصب، بحيث يصبح المنصب تكليفا محدد المدة وليس وضعا دائما، مع ضرورة الالتزام بعدم التمديد الا وفق معايير تقييم معلنة ولمرة واحدة فقط.


ثالثا: الزام وزارة الخدمة المدنية والتأمينات والجهات الرقابية المختصة بالاشراف المباشر على تنفيذ مدد التكليف، ومتابعة الالتزام بها، وعدم ترك الامر لاجتهادات فردية او ضغوط ادارية.


رابعا: اعتماد نظام تقييم اداء دوري وشفاف، يرتبط بمؤشرات قياس واضحة، ويكون اساسا للاستمرار او الاعفاء.


خامسا: تطبيق مبدأ التدوير الوظيفي بشكل فعلي، بما يمنع تركز السلطة ويكسر الاحتكار الاداري.


سادسا: فتح باب التنافس على المناصب القيادية من خلال الاعلان عنها، واتاحة الفرصة للكفاءات المؤهلة وفق معايير موضوعية مع إعطاء الأولوية لكوادر المؤسسة نفسها.


سابعا: تعزيز دور اجهزة الرقابة والمحاسبة ومنحها الاستقلالية الكافية لمواجهة اي تجاوزات.


ثامنا: بناء قاعدة بيانات وطنية للكفاءات الادارية، يمكن الرجوع اليها عند شغل المناصب القيادية.


كلمة لقيادة الدولة:

ان المرحلة الحالية تتطلب قرارات شجاعة تعيد الحيوية الى مؤسسات الدولة. ان اجراء تغيير مدروس ومنظم في مستويات وكلاء الوزارات، ونواب الوزراء، ومدراء العموم ومن في حكمهم، لم يعد مجرد خيار اداري، بل ضرورة وطنية لمواجهة الفساد وتحسين الاداء الحكومي.


ان تضمين قرارات التكليف مدد زمنية محددة، والزام الجهات المختصة بمتابعة تنفيذها، سيشكل خطوة محورية نحو بناء جهاز اداري قائم على الكفاءة والمساءلة، لا على الاستمرارية غير المبررة.


ان الوطن بحاجة اليوم الى اعطاء الفرصة لكفاءاته، وتجديد دماء مؤسساته، وترسيخ مبدأ ان المنصب مسؤولية مؤقتة لخدمة الناس، وليس امتيازا دائما لأشخاص معينين أو مناطق أو قبائل أو أحزاب معينة. وهكذا نظام يمكن بناء دولة حديثة قائمة على النظام والقانون.