آخر تحديث :الجمعة-05 يونيو 2026-10:58م

(3) حكومة الزنداني…بين التحديات والإنجازات

السبت - 23 مايو 2026 - الساعة 02:09 م
عمر الحار


وفي المحصلة، لا يمكن قراءة تجربة حكومة الزنداني بمعزل عن التعقيدات الثقيلة التي تحيط بالمشهد اليمني، كما لا يصح اختزالها في بطء النتائج أو تعثر بعض الملفات الخدمية. فالحكومة تتحرك داخل مساحة مثقلة بإرث اقتصادي منهك، واختلالات مؤسسية متراكمة، وأزمات متداخلة تتجاوز قدرتها المباشرة، لكنها، رغم ذلك، ما تزال تحاول تثبيت حضور الدولة واستعادة الحد الأدنى من فاعلية مؤسساتها، عبر خطوات تدريجية تتقدم أحيانًا وتتراجع أحيانًا أخرى تحت ضغط الواقع وتعقيداته.

وعلى الرغم من التراجع الملحوظ في ملف الخدمات، بعد التحسن النسبي الذي شهدته بدايات تشكيل الحكومة، فإن ذلك التحسن لم يصمد طويلًا أمام عودة الأزمات الخانقة، خصوصًا في قطاعي الكهرباء والمياه، وفي توقيت بالغ الحساسية مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، الأمر الذي ضاعف من معاناة المواطنين وأعاد حالة السخط الشعبي إلى الواجهة من جديد.

وزادت أزمة المشتقات النفطية والغاز من تعقيد المشهد، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وانعكاساتها المباشرة على المنظومة الخدمية والحياة المعيشية، بما كشف هشاشة الاستقرار الذي تحقق في المرحلة الأولى من عمر الحكومة، وأعاد فتح باب التساؤلات حول الأسباب الحقيقية لتعثر المعالجات واستمرار دورة الأزمات.

ومع ذلك، لم تبدُ الحكومة في موقع المتفرج على الانهيار، بل اتجهت نحو تحريك أدوات المعالجة عبر حزمة من الإجراءات العاجلة، كان أبرزها قرارات المجلس الأعلى للطاقة برئاسة دولة رئيس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، إلى جانب التوجه نحو توسيع الشراكة مع القطاع الخاص، وعقد اجتماعات فنية متخصصة انتهت إلى برامج تنفيذية مرتبطة بمعالجات مباشرة لأزمات الكهرباء والمياه والمحروقات. وهي خطوات، وإن كانت لا تزال في بداياتها، تعكس إدراكًا متناميًا بأن استمرار التدهور الخدمي لم يعد مجرد عبء اقتصادي، بل بات تهديدًا مباشرًا لما تبقى من ثقة الناس بالدولة ومؤسساتها.

فالمواطن، في نهاية الأمر، لا ينشغل كثيرًا بحجم التحديات التي تواجه الحكومات، ولا بما تحققه من تقدم إداري أو إصلاحات داخلية، بقدر ما يقيس أداءها بقدرتها على توفير الخدمات الأساسية وتحسين ظروف الحياة اليومية. ولهذا تبقى معركة الخدمات هي الاختبار الأكثر حساسية لحكومة الزنداني؛ فمن خلالها تُبنى الثقة أو تتآكل، وعبرها يتحدد ما إذا كانت الحكومة قادرة فعلًا على تحويل مشروع “استعادة الدولة” من خطاب سياسي إلى واقع يلمسه المواطن في الكهرباء والمياه والأسعار والاستقرار المعيشي.

وبين ضغوط الواقع ومحاولات المعالجة، تتشكل ملامح مرحلة سياسية وإدارية عنوانها الأساسي: الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحد الأدنى من الاستقرار. وهي مهمة ليست سهلة في بلد أنهكته الحرب والانقسامات، لكنها تظل معيار النجاح الحقيقي لأي سلطة تسعى لإقناع الناس بأنها لا تزال قادرة على حمل فكرة الدولة والدفاع عن بقائها… خطوة بعد أخرى.