آخر تحديث :الجمعة-05 يونيو 2026-11:16م

في خطاب الرئيس.. ملامح إعادة تشكيل المشروع الوطني اليمني من جديد.

الجمعة - 22 مايو 2026 - الساعة 05:12 م
عمر الحار


حمل خطاب فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين للجمهورية اليمنية، ملامح إعادة تشكيل المشروع الوطني اليمني من جديد.

وقدّم فخامة الرئيس، خطاباً يمكن وصفه بأنه من أكثر الخطابات السياسية نضجاً وواقعية في المرحلة الراهنة، إذ تجاوز الطابع الاحتفالي التقليدي إلى خطاب دولة يسعى لإعادة تعريف الأولويات الوطنية وفق معادلات الداخل اليمني وتعقيدات الإقليم والتحولات الدولية.

ومن خلال القراءة المتأنية لمضمون الخطاب، يتضح أن الرئيس العليمي اعتمد منهجية “الواقعية السياسية” بوصفها أداة مناسبة لإدارة الأزمة اليمنية، و طرحها كرؤية شاملة تقوم على الاعتراف بالمشكلة قبل البحث عن حلولها. فقد تعمّد منذ البداية نزع اللغة الاحتفالية، واستبدالها بخطاب مصارحة وطنية يعترف بحجم الانهيار الذي أصاب مؤسسات الدولة، وما خلفته الحرب والانقسامات من تشظٍ سياسي واجتماعي واقتصادي.

أبرز ما ميّز الخطاب هو إعادة تقديم الوحدة اليمنية بصيغة مختلفة عن الخطابات التقليدية؛ إذ لم يتعامل معها كشعار سياسي جامد، بل كمشروع تاريخي تعرّض لاختلالات عميقة أفرغت كثيراً من مضامينه الوطنية. وهنا تكمن أهمية الطرح؛ فالرئيس لم يذهب إلى نفي مشروعية الوحدة، ولم يتجاهل في الوقت ذاته المظالم التي رافقت التجربة، بل حاول بناء معادلة سياسية جديدة تقوم على الفصل بين قدسية الفكرة وأخطاء التطبيق، بما يسمح بإعادة بناء المشروع الوطني على أسس العدالة والشراكة والتوازن.

وفي هذا السياق، جاء تناول القضية الجنوبية باعتباره أحد أهم التحولات السياسية في الخطاب، حيث جرى تقديمها بوصفها مدخلاً رئيسياً لأي تسوية شاملة، لا مجرد ملف سياسي قابل للتأجيل. وقد حمل هذا الطرح دلالات واضحة على إدراك القيادة السياسية بأن استقرار اليمن المستقبلي لن يتحقق عبر المعالجات الأمنية أو الحلول المؤقتة، بل من خلال معالجة جذور الاختلالات التاريخية، وضمان شراكة حقيقية في السلطة والثروة والقرار.

كما كشف الخطاب عن مستوى عالٍ من البراغماتية السياسية في إدارة التوازنات الداخلية، خصوصاً في ما يتعلق بالأحداث الأخيرة التي شهدتها بعض المحافظات الجنوبية والشرقية. فقد جمع الرئيس بين الحزم في حماية مؤسسات الدولة، والانفتاح في الدعوة إلى طيّ صفحة التوترات، عبر إسقاط الملاحقات بحق الشخصيات غير المتورطة في الإرهاب أو الفساد أو العنف، في خطوة يمكن قراءتها كرسالة تهدئة وإعادة استيعاب للقوى السياسية ضمن إطار الدولة.

وفي البعد الإقليمي، بدا واضحاً أن الخطاب يعكس توجهاً استراتيجياً نحو إعادة تموضع اليمن ضمن محيطه الخليجي، من خلال التركيز على تطوير العلاقة مع المملكة العربية السعودية من مستوى التحالف السياسي والعسكري إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة. وهذه الإشارة تحمل أبعاداً تتجاوز اللحظة الراهنة، كونها تربط مستقبل الاستقرار اليمني بمشاريع التكامل الإقليمي والتنمية الاقتصادية والأمن المشترك.

ومن الناحية السياسية، يمكن ملاحظة أن الخطاب حاول الانتقال من منطق “إدارة الحرب” إلى منطق “بناء الدولة”، حيث ركّز على الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز كفاءة المؤسسات، ودعم السلطات المحلية، وتحسين الخدمات، ودفع المرتبات، وهي ملفات يدرك الشارع اليمني أنها تمثل المعيار الحقيقي لقياس فاعلية السلطة وقدرتها على استعادة ثقة المواطنين.

كما حمل الخطاب بعداً إنسانياً لافتاً من خلال التأكيد على ملف المحتجزين والمختطفين، والإشادة بالاتفاق الأخير للإفراج عن أعداد كبيرة منهم، في رسالة تؤكد أن القيادة السياسية تحاول إبقاء المسار الإنساني حاضراً بالتوازي مع المسار العسكري والسياسي.

وخلاصة القول، إن خطاب الرئيس العليمي لم يكن خطاب مناسبة وطنية فحسب، بل مثّل محاولة لصياغة سردية سياسية جديدة للدولة اليمنية، تقوم على الاعتراف بالتعقيد، وإدارة التوازنات، والبحث عن تسويات قابلة للاستمرار. لقد بدا الخطاب أقرب إلى مشروع رؤية سياسية لإعادة بناء الشرعية الوطنية على أسس الشراكة والواقعية والإنصاف، بعيداً عن الخطابات التعبوية أو المزايدات التقليدية.

وعليه، يمكن اعتبار الخطاب محطة سياسية مهمة في مسار الخطاب الرسمي اليمني، لأنه نقل النقاش من دائرة الشعارات العامة إلى فضاء أكثر واقعية، يقوم على المصارحة، وإعادة تعريف مفهوم الدولة، وربط السلام العادل ببناء مؤسسات قادرة على احتواء الجميع ضمن مشروع وطني جامع. على رغم من حجم المناهضة الداخلية لاي مشروع وطني في المرحلة، نزولا عند رغبة الموجه الخارجي لها.