إلى دولة الأخ/ رئيس مجلس الوزراء المحترم
إلى الأخ/ وزير الإدارة المحلية المحترم
إلى الأخ/ وزير الصناعة والتجارة المحترم
إلى الأخ/ وزير الدولة، محافظ محافظة عدن المحترم
إلى الأخ/ رئيس الغرفة التجارية والصناعية_ عدن المحترم
المشروعات الصغيرة والمتوسطة جدار الحماية الأقوى..
في ظل المنعطف الاقتصادي الحرج الذي تمر به بلادنا، وتصاعد حدة الركود الذي يضرب الأسواق، نضع أمامكم هذه المكاشفة الصريحة حول السياسات الإيرادية والجبايات التي فرضت منذ 3 سنوات، والتي باتت تهدد بتجريف ما تبقى من مدخرات الطبقة الوسطى والمنشآت الصغيرة في عدن والمحافظات المجاورة. ونضع بين أيديكم هذه القراءة الواقعية والمناشدة العاجلة، ليس كطلبات فئوية، بل كضرورة وطنية لحماية ما تبقى من أعمدة الاقتصاد المحلي. فعندما اختارت الشركات الكبرى ورؤوس الأموال الضخمة طريق الهجرة أو تجميد الأنشطة أمام التدهور الاقتصادي، ظل أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة مرابطين في مشاريعهم. يسندون جدار الحماية المجتمعية الحقيقي من الانهيار، وظلت هذه المشاريع هي الحامل الفعلي للطبقة الوسطى، والمعيار الأدق للاستقرار السياسي والاقتصادي. وبالتالي فإن سقوط هذا القطاع لا يعني إغلاق محلات أو ورش، بل يعني انهيار خط الدفاع الأخير عن القوة الشرائية وفرص العمل المحلية.
إننا ندرك حجم النفقات المالية والالتزامات على مؤسسات الدولة، ولكن لا يمكن -بأي حال من الأحوال- أن تمول النفقات الحكومية عبر فرض جبايات قاسية وغير مدروسة على قطاع يصارع من أجل البقاء. لأن سياسة الجباية كحل سريع لسد العجز تؤدي إلى نتائج عكسية، فهي تدفع المستثمر الصغير إلى تصفية نشاطه، مما يعني فقدان الوعاء الضريبي مستقبلاً، وتحويل المنتِج إلى عاطل، والتاجر إلى نازح اقتصادي.
دولة الأخ رئيس الوزراء، الإخوة الوزراء المعنيين.
إن من قدم مقترح رفع نسبة الرسوم على المشروعات الصغيرة غابت عن ذهنه قاعدة اقتصادية ذهبية تقول بأن حجم الفاقد جراء انكماش السوق سيكون أضعاف حجم المتحصل الفوري. ونعتقد بأن القائمين على المكاتب الإيرادية اليوم، مع الأسف، يجهلون الحساسية الاقتصادية المترتبة من فرض هذه الرسوم، فهم ينظرون إلى صافي الدخل للمنشآة كأرقام مجردة، دون أدنى اعتبار لحساب كمية التكاليف المباشرة وغير المباشرة (من وقود وطاقة، وإيجارات، وصيانة، وانهيار العملة). إنهم يفرضون الرسوم والجبايات على دوران المال لا على الأرباح، مما يعني أن الدولة تقتطع من رأس مال المنشأة وليس من فائض إنتاجها، وهذا هو أول طريق الإفلاس.
لقد أصبحت المنشآت الصغيرة في بلادنا تنظر بإعجاب إلى تجارب دول الجوار (كالسعودية ومصر) حيث تحولت الدولة هناك إلى داعم وشريك عبر برامج وصناديق تمويلية مرنة وهياكل تحفيزية خفضت من تكاليف التشغيل والرسوم، إيماناً بأن نمو الناتج المحلي الإجمالي يبدأ من الورشة الصغيرة والمصنع الناشئ. ولذلك سيدفع استمرار الضغط المالي في اليمن بالكفاءات ورؤوس الأموال للرحيل إلى تلك البيئات المشجعة، حيث يجدون اقتصاد دولة يحميهم وسوقاً ينمو بدلاً من سوق يستنزفهم.
دولة الأخ رئيس الوزراء، الإخوة الوزراء المعنيين.
إننا لا نطالب فقط بالتخفيف من الأعباء، بل نقدم مقايضة وطنية عادلة، تمنح الدولة بموجبها حوافز ذكية للمنشآت الصغيرة، مقابل التزام هذه المنشآت بتنظيم قوائمها المالية وتطبيق معايير الحوكمة، والأتمتة، والشمول المالي.
إن تحويل مصانعنا وورشنا من العمل التقليدي العشوائي إلى العمل المؤسسي الرقمي هو الضمانة الوحيدة لاستدامة الإيرادات العامة. كما أن سياسة الجباية القسرية على القطاع الصناعي على وجه الخصوص هي استنزاف قصير الأمد، بينما سياسة التحفيز مقابل المؤسسية هي استثمار استراتيجي يبني اقتصاداً صلباً وقادراً على الصمود والتصدير.
إن رفع نسبة الرسوم والجبايات في ظل الكساد الحالي سيؤدي حتماً إلى:
1_ ضعف القوة الشرائية: مما يعني تراجع المبيعات.
2_ انخفاض نسبة التحصيل: لأن المنشآت التي ستخرج من السوق اكبر من التي ستدخل.
3_ توسع الاقتصاد غير الرسمي: هروباً من تعسف المكاتب الإيرادية.
(مقترح للخروج من الأزمة)
بدلاً من سياسة الاستنزاف، نقترح على الحكومة تبني حوكمة التحفيز عبر المقترحات التالية:
1_ مقايضة الرسوم بالتوظيف: منح تخفيضات مباشرة وحقيقية في الضرائب، والواجبات الزكوية، والرسوم المحلية لكل منشأة صغيرة ومتوسطة تلتزم بتشغيل أكبر عدد من الأيدي العاملة المحلية.
2_ خلق الدورة النقدية: عندما توظف المنشأة شباباً أكثر، نحن نضمن توفير مرتبات لفئة أوسع، مما يرفع القدرة الشرائية في السوق، ويعيد الروح للمبيعات، وبالتالي تنمو الأوعية الإيرادية للدولة بشكل طبيعي ومستدام.
3_ تسهيلات الصمود الصناعي: إعفاء المشروعات الإنتاجية (الورش والمصانع الصغيرة) من رسوم التحسين والجبايات المستحدثة لمدة خمسة أعوام، لضمان صمودها أمام هجرة رؤوس الأموال إلى دول الجوار.
ويمكن تحقيق مكاسب إضافية أخرى من خلال تحفيزات مشروطة بـ:
1_ منح خصم أو اعفاء لكل منشآة تعتمد الأنظمة المحاسبية في عملياتها، هذا سيخفض تكلفة الرقابة، فعندما تعتمد المنشأة أنظمة محاسبية (أتمتة)، تنخفض تكلفة المراجعة والتدقيق على مكاتب الواجبات والضرائب، حيث تصبح البيانات شفافة ولحظية.
2_ تحفيز الاستثمار في التكنولوجية، بمنح خصم ضريبي مقابل الأتمتة سيدفع أصحاب المشاريع الصغيرة والورش والمصانع الصغيرة لتطوير أدواتهم، مما يرفع جودة المنتج الوطني ويقلل الهدر.
3_ دعم الشمول المالي بإجبار الأموال على المرور عبر القنوات البنكية وهو الحل الأنجع لاستعادة السيطرة على الكتلة النقدية الهاربة خارج المصارف، وهو مطلب دولي لتعزيز استقرار العملة.
ختاماً..
إن الحفاظ على المشروعات الصغيرة هو الحفاظ على كرامة الاقتصاد الوطني. كما أننا في لحظة فارقة تفرض علينا أن نقف مع هؤلاء الصامدين لنخرج معاً من الأزمة، لا أن نتركهم لمقصلة الجبايات، وحينها ستظهر النتائج الكارثية على هيكل المجتمع والدولة خلال سنوات قليلة.
إن إصرار المكاتب الإيرادية على تغطية النفقات الحكومية عبر فرض رسوم تخنق المشروعات الصغيرة هو انتحار اقتصادي معلن. إننا نؤكد لكم من أن استمرار هذا النهج سيدفع الكفاءات الصناعية والتجارية لتصفية أعمالها والرحيل نحو بيئات استثمارية إقليمية توفر الأمن الاستثماري والحوافز الذكية. لقد صمد هؤلاء في أصعب الظروف، عندما انهارت مؤسسات الدولة وتشرد موظفيها وخرجت الشركات الكبيرة من اليمن صمد هذا القطاع، فلا تسمحوا للجبايات أن تكون رصاصة الرحمة التي تنهي وجودهم.
هشام السامعي
باحث متخصص في الحوكمة واقتصاد الأعمال
صاحب منشأة صناعية صغيرة