آخر تحديث :الأحد-17 مايو 2026-03:30ص

السماء لم تعد للجميع.. حين تحوّلت أجنحة اليمنيين إلى امتياز للأثرياء

السبت - 16 مايو 2026 - الساعة 10:56 م
احمد السقاف.

لم يعد السفر بالنسبة لليمني مجرد وسيلة انتقال من مدينة إلى أخرى أو من وطنٍ مثقل بالحروب إلى نافذة أمل خارج الحدود، بل أصبح معركة جديدة يخوضها المواطن المنهك أمام أسعار ملتهبة وتكاليف تتضاعف بلا رحمة، في وقتٍ تتآكل فيه الرواتب وتضيق فيه سبل الحياة.

فالسماء التي كانت يوماً متنفساً للجميع، أُغلقت أبوابها عملياً أمام آلاف اليمنيين بعد الارتفاع الجنوني في أسعار تذاكر الخطوط الجوية اليمنية، وإلغاء خدمة “الترانزيت” التي كانت تمثل طوق نجاة لكثير من المرضى والطلاب والمغتربين محدودي الدخل.

اليوم، يقف المواطن أمام شباك الحجز وكأنه يقف أمام بوابة جباية لا تعرف الرحمة، يحدّق في الأرقام بذهول، ثم يعود مثقلاً بالعجز والأسئلة: كيف يمكن لمريض أنهكه الألم أن يدفع كل هذه المبالغ؟ وكيف لطالب يسعى وراء مستقبله أن يتحمل تكلفة رحلة أصبحت أغلى من قدرته وقدرة أسرته؟ وكيف لمغترب أنهكته الغربة أن يرى طريق العودة إلى وطنه يتحول إلى رفاهية بعيدة المنال؟

المؤلم أن هذه الأزمة لم تهبط فجأة من السماء، بل جاءت نتيجة تراكمات واختلالات وإدارات مرتبكة دفعت المواطن ثمنها كاملاً. فاحتجاز مبالغ ضخمة من أموال الشركة، واستمرار أزمة الوقود في عدن، وفرض رسوم وإلغاءات إضافية، كلها عوامل ساهمت في دفع الأسعار نحو مستويات صادمة، بينما ظل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة الإنهاك المستمر.

أما إلغاء خدمة الترانزيت، فقد كان بمثابة قطع آخر خيط من خيوط التخفيف والمرونة. تلك الخدمة التي منحت المسافر البسيط فرصة البحث عن خيارات أقل تكلفة، أُزيحت فجأة، ليجد اليمني نفسه محاصراً بخيار واحد وأسعار تكاد تكون مستحيلة.

إن ما يحدث اليوم لا يمكن اعتباره مجرد “ارتفاع طبيعي” في أسعار التذاكر، بل هو حصار اقتصادي واجتماعي جديد يُفرض على اليمنيين بصمت. حصار يحرم المريض من العلاج، والطالب من التعليم، والمغترب من رؤية أسرته، ويجعل من السفر معاناة أخرى تضاف إلى سجل الأزمات الطويل.

وفي الوقت الذي تتسع فيه معاناة الناس، يزداد الصمت الرسمي برودةً واستفزازاً، وكأن المواطن لم يعد أولوية، وكأن آهات العالقين في المطارات وأوجاع المرضى ودموع الأسر الممزقة لا تستحق موقفاً حقيقياً أو معالجة عاجلة.

إن كرامة اليمنيين لا يجب أن تُختزل في تذكرة سفر باهظة، ولا يجوز أن تتحول الخطوط الجوية الوطنية إلى عبء يرهق الشعب بدلاً من أن تخفف معاناته. المطلوب اليوم تحرك عاجل ومسؤول يبدأ بالإفراج عن أموال الشركة المحتجزة، وتأمين الوقود بشكل مستدام، وإعادة النظر في التسعيرات، وفتح خيارات الترانزيت من جديد، قبل أن تصبح السماء حكراً على القادرين فقط.

فاليمني الذي صبر على الحرب والجوع والانهيار، لا يستحق أن يُمنع حتى من حقه في السفر والتنفس والحلم.