آخر تحديث :الأحد-17 مايو 2026-03:30ص

أبين أولاً.. حين تتوحد القبيلة والدولة من أجل المستقبل

السبت - 16 مايو 2026 - الساعة 05:39 م
م. عبدالعزيز الموصل

لم يكن اللقاء التشاوري الأول للمشايخ والوجهاء وأعيان قبائل محافظة أبين، الذي احتضنته مدينة زنجبار برعاية محافظ المحافظة الدكتور مختار بن الخضر الرباش الهيثمي، مجرد فعالية بروتوكولية عابرة، بل حمل في مضمونه رسائل سياسية واجتماعية عميقة تعكس حجم التحديات التي تواجه المحافظة، والطموحات التي يسعى أبناء أبين إلى تحقيقها في سبيل استعادة الأمن والاستقرار والتنمية. فاللقاء الذي جاء تحت شعار “أبين أولاً.. هيبة تُصان وتنمية تُبنى” أعاد التأكيد على أن القبيلة ما تزال تمثل ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار، وأن حضورها الإيجابي إلى جانب مؤسسات الدولة يمكن أن يصنع فارقًا حقيقيًا في مستقبل المحافظة.


لقد عانت أبين خلال سنوات طويلة من تداعيات الصراعات والأزمات الأمنية والثارات القبلية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين وأوقف عجلة التنمية وأضعف حضور الدولة في كثير من المناطق. ومن هنا جاءت أهمية هذا اللقاء الذي حاول إعادة توجيه البوصلة نحو المصالح العامة للمحافظة، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والخلافات التي أنهكت المجتمع. فحين يجتمع المشايخ والوجهاء والشخصيات الاجتماعية على طاولة واحدة لمناقشة هموم أبين ومستقبلها، فإن ذلك يعكس وجود إدراك متزايد بخطورة المرحلة وضرورة توحيد الصفوف.


الكلمات التي أُلقيت خلال اللقاء عكست حالة من التوافق على أن الأمن والاستقرار يمثلان المدخل الحقيقي لأي نهضة تنموية. فمحاربة التقطعات وأعمال التخريب ورفض إيواء العناصر الخارجة عن النظام والقانون ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل هي مسؤولية مجتمعية تتطلب تعاون الجميع. كما أن دعم السلطة المحلية والأجهزة الأمنية والعسكرية والقضائية يعكس رغبة واضحة في إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، وترسيخ هيبتها بما يضمن حماية المواطنين وممتلكاتهم.


ومن بين أبرز النقاط التي استوقفت الحاضرين دعوة المحافظ الرباش إلى صلح قبلي لمدة عامين في قضايا الثأر، وهي خطوة تحمل أبعادًا إنسانية واجتماعية كبيرة. فالثأر ظل لعقود أحد أبرز التحديات التي أعاقت الاستقرار في أبين، وخلف آثارًا مؤلمة على المجتمع. لذلك فإن أي تحرك جاد نحو إيقاف نزيف الثأر وفتح صفحة جديدة من التسامح والتصالح يُعد خطوة شجاعة تستحق الدعم والمساندة من مختلف الأطراف، خصوصًا في ظل الحاجة الماسة إلى بناء مجتمع متماسك قادر على تجاوز أزماته.


كما أن اللقاء لم يقتصر على الجوانب الأمنية والاجتماعية فقط، بل تطرق أيضًا إلى ملف التنمية والاستثمار، وهو جانب لا يقل أهمية عن غيره. فالمحافظة التي تمتلك مقومات كبيرة بحاجة إلى بيئة آمنة ومستقرة لجذب المشاريع التنموية والاستثمارية، وتهيئة الظروف المناسبة لعمل المنظمات المحلية والدولية. وقد عكست بنود ميثاق الشرف الموقع خلال اللقاء رغبة حقيقية في حماية المشاريع الخدمية والتنموية، وتسهيل عمل الجهات التي تسعى لتحسين حياة المواطنين وإعادة بناء ما دمرته سنوات الصراع.


في المجمل، يمكن القول إن اللقاء التشاوري بزنجبار مثّل محاولة جادة لإعادة بناء الثقة بين المجتمع والسلطة المحلية، ووضع أسس جديدة للشراكة بين الدولة والقبيلة في محافظة أبين. غير أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرتبطًا بقدرة الجميع على ترجمة ما تم الاتفاق عليه إلى واقع ملموس، بعيدًا عن الشعارات والخطابات. فأبين اليوم بحاجة إلى أفعال أكثر من الأقوال، وإلى مشروع جامع يعيد لها مكانتها ويمنح أبناءها الأمل بمستقبل يسوده الأمن والتنمية والاستقرار.