آخر تحديث :السبت-16 مايو 2026-12:04ص

عاصفة الملح

الجمعة - 15 مايو 2026 - الساعة 10:16 م
حسين سالم السليماني

في شتاء استثنائي لم تألفه الذاكرة، انفتح سدّ السماء فوق "عدن"، وتمرّد البحر على شطآنه في ثورة عارمة. تلاطمت الأمواج كوحوش كاسرة، تطرق بشدة شرفات المنازل، بل وتسللت ملوحتها لتغمر العتبات في "البيوت الروسية" و"الساحل الذهبي". تقطعت أوصال الطرق إليه، وخيّم الصمت إلا من عواء الريح، فيما تسلل الخوف إلى القلوب كدخان أسود، وبدت في الأفق أشباح غريبة الملامح، تنطق بلكنة لا تشبه بحر المدينة ولا أصالة أهلها.


كان ربّان المدينة وقائدها قد رحل إلى دار البقاء بسلام، لكن طيفه ظل يحوم فوق القمم كحارس أخير. وفي لجة الفوضى، انبثق من الزحام رجل يدعي أنه منقذ هذه الأرض. استنفر عمال المؤسسات وصاح فيهم بصوت أجش: لقد أكل الدهر عليكم وشرب، وتجاوزتم أعماركم الافتراضية.. لا بد من دماء جديدة تعيد للنبض عنفوانه!

استبشر الناس خيراً، وظنوا أن "الخلف" سيحمل أمانة "السلف". تهافت الشباب، يحملون بين طيات ملفاتهم أحلاماً موثقة بشهادات علمية، وعقولاً تتوق لبناء ما هدمته العاصفة. لكن ذلك الرجل — الذي تلبّس وجه القريب واستبطن ملامح الغريب — قبض على الأحلام والملفات، وقال بنبرة غامضة: انتظروا.. سنعلن الموعد حين يدق توقيت المدينة الشتوي ساعته.


في البدء، غمرت الفرحة الوجوه حين رأوا شباب الشوارع المتسكعين وقد استبدلوا الفراغ بالبنادق، واصطفوا على امتداد الطرقات. ظنوا أن المدينة تتطهر من عبث المهمشين، وأن الخطة تقضي بإدماجهم في نسيج النظام. لكن الفرحة كانت طيفاً عابراً؛ فالتوظيف وئد في مهده، والعملة تهاوت كأوراق الخريف، وصيحات الجياع ضاعت في فضاء لا يسمع.

انكشف القناع، وخرج "الغريب" ومن معه — وهم من صلب البلاد ولكن بقلوب مستلبة — ليعلنوا الفجيعة: المؤسسات معطلة حتى إشعار آخر، والوظائف موقفة.

جفت المدارس من منبعها، وهجرها المعلمون بعد أن أذلهم العوز. وخرج الصغار، "القُصّر" الذين لم ينضج وعيهم بعد، يسيرون في خيلاء واهمة، يحرسون قصورا مهجورة، ويفتخرون ببنادقهم أمام معلمين باتوا في أعينهم "أقل شأناً"؛ لأنهم لا يملكون ما يملكون.


والغريب في أمر هذه المدينة، أن أهلها غرقوا في سبات عميق، أو لعلهم في "تنويم مغناطيسي" مدروس. لم تستفزهم الفوضى، بل استسلموا لجدل عقيم زرعه "الدخلاء" في أروقتهم. انصرفوا عن جراحهم الكبرى ليقتتلوا على الفتات: يتجادلون بحدة عن "الماء" وهو سراب.

يتحاسبون على "الكهرباء" ودقائق النور المتسللة من عتمة الليل والنهار.

يختصمون على "رواتب" توقفت عروقها عن الضخ منذ أمد.

وفي ذروة بؤسهم، يرفعون عقيرتهم بالدفاع عن "الزعيم"؛ يمتدحون حنكته ونجاحه، بينما هو يرفل في قصوره المنيعة، يتنسم هواء السياحة، ويضمن لأبنائه أرقى العلوم خلف البحار، بعيداً عن غبار "عاصفة الملح" التي تبتلع أحفاد مدينته المنسية.