آخر تحديث :السبت-16 مايو 2026-12:04ص

ربان أبين المختار…

الجمعة - 15 مايو 2026 - الساعة 09:51 م
عبدالعزيز الحمزة


ليست أبين محافظةً عادية في المعادلة السياسية اليمنية، بل واحدة من أكثر المحافظات تأثيرا في تشكيل التاريخ السياسي والاجتماعي والعسكري للدولة اليمنية الحديثة.

فمن هذه الأرض خرج رؤساء، وقادة دولة، ووزراء، وشخصيات عسكرية وأمنية، ورموز اجتماعية وقبلية ودينية كان لها حضور فاعل في مختلف مراحل اليمن، قبل الوحدة وبعدها.


أبين ليست كتلة اجتماعية بسيطة يمكن قيادتها بسهولة، بل هي صورة مصغرة لليمن بكل تعقيداته وتنوعه.

تركيبتها القبلية المتعددة، وتاريخها أبان السلطنات متشعب، وامتدادها السياسي والفكري، جعل منها بيئة تنتج القيادات باستمرار، لكنها في الوقت ذاته تجعل من الصعب أن تتفق على قائد واحد يلتف حوله الجميع.


ففي تاريخها قامت السلطنات والمشيخات، وتقاطعت فيها النفوذ القبلية والسياسية والثقافية، من السلطنة الفضلية إلى العوذلية ويافع والعوالق السفلى وجمهورية دثينة وغيرها، كما احتضنت مدارس دينية وعلمية، وقدمت للدولة أعداداً كبيرة من القيادات العسكرية والأمنية والسياسية.

ولهذا ظل المشهد الأبيني عبر العقود مشهدا متعدد الأصوات، تتجاور فيه الزعامات، وتتباين فيه الاصطفافات، ويصعب فيه تحقيق إجماع كامل على شخصية واحدة.


لكن ما يحدث اليوم مع الدكتور مختار الهيثمي الميسري يمثل حالة استثنائية تستحق التوقف والتأمل.


فالرجل لم يأت إلى قيادة السلطة المحلية في أبين بوصفه مرشح قبيلة، ولا ممثل تيار سياسي ، ولا نتيجة صفقة نفوذ ولا توازنات مناطقية، أو ضمن محاصصة مناطقية، بل جاء محمولا بثقة مجتمعية واسعة، وقبول سياسي وشعبي غير مسبوق، وإجماع نادر لم تعرفه أبين بهذه الصورة منذ عقود.


لقد استقبل الجميع قرار تعيينه محافظا لمحافظة أبين، بالقبول والترحال.

وهذا بحد ذاته ليس أمرا عابرا، بل مؤشر عميق على أن أبين بكل تعقيداتها شعرت أن هذه الشخصية قادرة على أن تمثلها، لا أن تمثل طرفًا منها.


إن أهم ما يميز الدكتور مختار الهيثمي أن معيار اختياره لم يكن النفوذ، بل الكفاءة.

فالرجل يمتلك رصيدا علميا ومعرفيا وإداريا وثقافيا وقيميا، جعله يحظى بثقة القيادة السياسية وثقة المجتمع معا، وهذه معادلة نادرة في الواقع اليمني، إذ غالبا ما تحظى الشخصيات إما بدعم السلطة أو بدعم المجتمع، أما أن تجمع الاثنين معا فهذا ما يمنح أي قائد فرصة حقيقية للنجاح.


والسؤال الأهم اليوم ليس: لماذا يحظى مختار بهذا القبول؟

بل: ماذا لو تحولت هذه الحالة النادرة إلى مشروع دعم جماعي حقيقي؟


ماذا لو وقفت القوى السياسية خلفه لا بوصفه محافظا فقط، بل باعتباره فرصة تاريخية لإعادة بناء أبين؟

ماذا لو ساندته القبائل بدل استنزافه بالصراعات؟

وماذا لو تحولت النخب السياسية والثقافية والإعلامية والدينية والرياضية والاجتماعية إلى قوة إسناد وتوجيه ودعم لهذا المشروع؟


إن المحافظ مهما امتلك من الكفاءة لا يستطيع أن يصنع المعجزات وحده، لكن الإجماع الشعبي حين يتحول إلى حالة وعي ومسؤولية، وإرادة جمعية، يصبح قوة قادرة على إعادة تشكيل الواقع.


وأبين اليوم لا تحتاج إلى معارك جانبية جديدة، ولا إلى إعادة إنتاج الانقسامات القديمة، بل تحتاج إلى الالتفاف حول مشروع استقرار وتنمية وهيبة دولة.

تحتاج إلى أن تدرك كل مكوناتها أن نجاح المحافظ هو نجاح للمحافظة كلها، وأن إفشاله لن يسقط شخصا بقدر ما سيُسقط فرصة تاريخية نادرة ربما لا تتكرر قريبا.


إن الدكتور مختار الهيثمي يقف اليوم أمام لحظة مفصلية، فإما أن تتحول حالة الإجماع حوله إلى شراكة حقيقية تعيد لأبين مكانتها وهيبتها ودورها الوطني، وإما أن تُهدر هذه الفرصة كما أُهدرت فرص كثيرة من قبل.


لقد تعبت أبين من الصراعات، ودفع أبناؤها أثمانا باهظة من أمنهم واستقرارهم وتنميتهم.

ولهذا فإن الحكمة السياسية اليوم تقتضي أن تتقدم لغة الدولة على لغة المصالح الضيقة، وأن تنتصر فكرة البناء على عقلية التعطيل.


إن السفينة الأبينية اليوم تمتلك ربانا يحظى بثقة نادرة، وتمتلك بيئة شعبية مهيأة للدعم، و تمتلك رصيدا تاريخيا وبشريا هائلا يؤهلها للنهوض.

وما تحتاجه الآن هو أن يدرك الجميع أن لحظات الإجماع الوطني لا تأتي كثيرا، وأن المحافظة التي صنعت الرؤساء والقادة قادرة أيضا على أن تصنع نموذجا مختلفا في التوافق والاستقرار والتنمية.


وحين تلتف أبين بكل أطيافها خلف قائد يجمعها، فإنها لا تبني محافظةً فقط، بل ترسل رسالة إلى اليمن كله:

أن الأوطان تُبنى حين تتغلب الحكمة على الانقسام، وحين يتحول الإجماع من مجرد مشاعر إلى مشروع عمل وإنقاذ.

،،،،،،،،،،،،،،،،،،

✍️ عبدالعزيز الحمزة

الجمعة ١٥ مايو ٢٠٢٦م