آخر تحديث :السبت-16 مايو 2026-12:03ص

هرمز… الحرب التي أربكت واشنطن وغيرت المنطقة

الجمعة - 15 مايو 2026 - الساعة 05:45 م
د. أحمد بن اسحاق

بعد عشرات الآلاف من الغارات، وحاملات الطائرات، وصواريخ "توماهوك"، والخطب النارية، والتصريحات التي بشّرت بسحق إيران وإنهاء خطرها، انتهى المشهد بصورة لم تكن تخطر حتى على كتاب السخرية السياسية: رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب يتجه إلى الصين طالبا من شي جين بينغ التدخل للمساعدة في احتواء إيران وتأمين الملاحة في الخليج.


باختصار شديد:

الحرب التي بدأت بشعار "إخضاع إيران" انتهت بواشنطن وهي تستنجد ببكين.


وهنا لا يصبح السؤال:

"كم صاروخا دمرت أمريكا؟"بل: “كيف تحولت القوة الأعظم في العالم من قيادة الحرب إلى طلب الوساطة؟”

الرواية الأمريكية الرسمية تحدثت منذ الأيام الأولى عن نجاح ساحق، وعن تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، وعن ضرب البنية العسكرية لطهران بصورة غير مسبوقة.


ترامب نفسه أعلن أن الضربات أصابت “معظم مواقع الصواريخ الإيرانية”، بينما كانت القنوات الأمريكية تعرض مشاهد الانفجارات وكأن الشرق الأوسط دخل النسخة الحديثة من فيلم هوليوودي طويل.


لكن المشكلة أن الواقع لم يقرأ السيناريو الأمريكي جيدا.

فبعد كل هذا القصف، بقي مضيق هرمز قادرا على إرباك العالم، وبقيت أسعار الطاقة تهتز، وبقيت شركات الملاحة تتعامل مع الخليج باعتباره منطقة خطر، والأهم أن إيران ظلت قادرة على إطلاق التهديدات والتأثير في المعادلة الدولية.

بل إن تقارير إعلامية غربية استندت إلى تقييمات استخباراتية أمريكية تحدثت عن احتفاظ إيران بجزء كبير من قدراتها الصاروخية ومواقعها التشغيلية، ما يعني أن “القوة الساحقة” لم تنجح في إنتاج “الحسم الساحق”.

وهنا تظهر المفارقة الساخرة في هذه الحرب:

أمريكا التي أمضت سنوات وهي تشرح للعالم أن إيران مجرد “دولة منهكة ومعزولة”، اكتشفت فجأة أنها تحتاج الصين للتفاهم معها بشأنها.

وكأن واشنطن قصفت إيران بكل ما لديها… ثم اكتشفت في النهاية أنها بحاجة إلى مترجم سياسي اسمه بكين.


اللافت أن الصين تعاملت مع المشهد بهدوء بارد يشبه طريقة لاعب الشطرنج الذي يشاهد خصمه يستهلك كل قطعه ثم يطلب التعادل. فبينما كانت حاملات الطائرات الأمريكية تجوب البحار، كانت بكين تراقب بصمت، تشتري النفط، وتنتظر لحظة الحاجة الأمريكية إليها.

وحين بدأت الأزمة تهدد الاقتصاد العالمي، ظهر ترامب بلغة مختلفة تماما عن خطاباته السابقة تجاه الصين، فاختفت نبرة التهديد، وحضرت لغة المديح والتعاون والحاجة المتبادلة، في وقت كانت فيه الصحف الأمريكية تتحدث عن تحذيرات صينية شديدة اللهجة لواشنطن بشأن تايوان.

وهنا بدت الصورة أوضح من أي وقت مضى:

أمريكا تريد من الصين مساعدتها في هرمز… والصين تذكر أمريكا بأن تايوان ليست لعبة مجانية.


لقد تحول العالم فجأة إلى صفقة جغرافيا سياسية ضخمة:

هرمز مقابل تايوان،

النفط مقابل الرقائق الإلكترونية،

والبحر الأحمر مقابل بحر الصين الجنوبي.

أما إيران، فقد أدارت الأزمة بذكاء لافت، خصوصا عندما استثنت السفن الصينية واليابانية من بعض إجراءاتها المرتبطة بالمضيق. هذه الخطوة لم تكن تصرفا عاطفيا، بل رسالة سياسية تقول إن طهران لا تريد الحرب مع العالم كله، بل تريد معاقبة خصومها المباشرين، مع الحرص على إبقاء آسيا خارج دائرة الانفجار الكامل.

بمعنى آخر:

إيران كانت تقول للعالم إنها ما تزال قادرة على التحكم بدرجات التوتر، لا مجرد إطلاق الفوضى.

وهذا تحديدا ما جعل نتائج الحرب تبدو أقل بكثير من حجم الضجيج الذي سبقها.


فإذا كان الهدف إسقاط النظام الإيراني، فالنتيجة فشل.

وإذا كان الهدف إنهاء النفوذ الإيراني، فالنتيجة فشل.

وإذا كان الهدف حماية الملاحة العالمية بالكامل، فالنتيجة فشل جزئي على الأقل.

أما الشيء الوحيد الذي نجحت فيه الحرب بوضوح فهو كشف حدود القوة الأمريكية نفسها.


لقد أنفقت واشنطن المليارات، وأحرقت الذخائر، واستعرضت القوة، ثم انتهت وهي تفاوض الصين، وتراقب أسعار النفط، وتحسب أثر الحرب على الناخب الأمريكي قبل الانتخابات المقبلة.


وهنا تكمن المشكلة الأخطر بالنسبة لترامب:

الناخب الأمريكي قد يتحمل خطابا ناريا… لكنه لا يحب أن يدفع ثمن البنزين بسبب مغامرات الشرق الأوسط.

ولهذا بدأت الحرب تتحول تدريجيا من “استعراض قوة” إلى عبء انتخابي، خصوصا مع تصاعد الأسئلة داخل الولايات المتحدة حول جدوى الدخول في صراعات مفتوحة لا تحقق نصرا حاسما.


أما الخليج، فقد خرج من الحرب بدرس قاسٍ للغاية.

فالدول التي دفعت مئات المليارات للحماية والتحالفات اكتشفت أن الحرب الكبرى لا تُدار بالتغريدات وصفقات السلاح فقط. فخلال أسابيع قليلة أصبحت منشآت النفط والموانئ وأسواق المال تحت تهديد مباشر، بينما كان ترامب يواصل استخدام لغته الفظة والمستعلية حتى مع أقرب حلفائه.

وهكذا وجد الخليج نفسه أمام معادلة مرعبة:

يدفع تكلفة الحماية الأمريكية… ثم يدفع أيضا تكلفة العداء الإيراني… ثم يُطلب منه لاحقا تمويل إعادة الاستقرار.

ولهذا قد تكون النتيجة الأهم للحرب هي بدء تآكل الثقة القديمة بفكرة “الحارس الأمريكي الوحيد”، واتجاه المنطقة تدريجيا نحو تنويع التحالفات، والانفتاح أكثر على الصين وآسيا، ومحاولة تخفيف التصعيد مع إيران مهما بلغت الخلافات.


أما اليمن، فهو ربما الدولة الأكثر حساسية تجاه هذه التحولات كلها.

لأن ما يجري يعني ببساطة أن باب المندب لم يعد مجرد ممر بحري يمني، بل أصبح جزءا من معادلة دولية كبرى مرتبطة بالطاقة والتجارة والصراع بين القوى العظمى. وأي تراجع في الهيمنة الأمريكية المنفردة سيجعل القوى الدولية والإقليمية تعيد النظر في طريقة التعامل مع اليمن وموقعه الاستراتيجي.


ولعل أخطر ما كشفته هذه الحرب أن المنطقة كلها دخلت فعلا عصرا جديدا:

عصر لا تكفي فيه حاملات الطائرات لصناعة الهيبة، ولا تضمن فيه كثافة القصف تحقيق النصر، ولا تستطيع فيه أمريكا أن تفرض وحدها شكل النظام العالمي كما كانت تفعل بعد الحرب الباردة.

لقد بدأت الحرب بشعار "إعادة الردع"…

وانتهت بصورة رئيس أمريكي يطرق باب الصين بحثا عن مخرج.