عقلية الإنسان الجنوبي في معظم مناطق الجنوب عقلية إقصائية مناطقية، وتتسم بقدر كبير من الأنانية والفجور السياسي، هذا الإنسان البدائي الذي ما يزال على تخوم مكونات الدولة، محتقن بجرعة مركزة جدا من الحذر وسوء الظن بالآخرين، والكثير من الشعور الخفي بالنقص الذي يُعبّر عنه بتكشيرة حيوانية تجاه الرأي المخالف، وبحرقة تعكس حاجة نفسية لاعتدال الشعور بالندية، وهو شعور زائف ووهمي يغذيه الخطاب المناطقي الذي يشق المجتمع إلى فريقين فريق (نحن) وفريق (هم).
والعقلية السياسية البليدة بدورها أسهمت في ترسيخ المناطقية بشكل فاعل فهي عقلية مفلسة وتفتقد للحس الوطني الجامع، وقراراتها الطائشة غير المحسوبة سبب رئيسي في تهييج هذا الجرب المناطقي الذي أصاب الجميع.
القوا نظرة سريعة على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد فضحت المجتمع في الجنوب وعرّته بشكل مخز، وسترون أن المناطقية الفاقعة البذيئة في الخطاب العام قد أصبحت واقعا يوميا تتم المجاهرة به دون أي إحساس بالخجل أو المسؤولية، ولم يعد التعبير عنها شيء يحتاج لترتيب الجملة حتى تُبتلع كمان كان في السابق، بل تقذف حادة ثقيلة ناشفة مثل حجر المقلاع. والنماذج التي في مواقع التواصل الاجتماعي بلا شك تمثل الغالبية الساحقة من الجنوبيين، بمعنى أننا نرى المزاج العام للمجتمع متمثلا أمامنا بكل وضوح، فنتأكد من حقيقة مفزعة طالما تجاهلناها وقفزنا فوقها، وهي حقيقة أن الشروخ الغائرة في جسد المجتمع موجودة فعليا وتنز بالصديد، وما هذه المعارك المناطقية والهجوم والدفاع المستمرين، إلا نتيجة لبعض الملح الذي يذره السياسيون الجهلة على جروح متقرحة أساسا، فيزيدوا لهيبها وضراوتها، ليعمقوا وجعا اجتماعيا عاما، اخترق اللحم والعظم ووصل إلى القلب نفسه.
والتجارب السياسية المتسارعة التي مرت في الجنوب كلنا عشناها، ومازلنا نتذكر جميع تفاصيلها لتقاربها زمنيا، فماذا قالت لنا؟!
لقد أظهرت لنا بوضوح أن الجنوبي لا يرى الدولة إلا من خلال منطقته فقط، من خلال عدد ابناء منطقته في مناصب الدولة ووزنهم وتأثيرهم فيها، فهو مع الدولة وداعم لها وسيحشد كل الجمل القانونية والوطنية ليحاج بها الآخرين عندما تكون مرحلة منطقته، وعندما تتغير الأمور ينسى الدولة ويتخذ موقفا معاديا بشكل تلقائي، متناسيا أنه مواطن ضمن دولة يفترض أن يشترك في إدارتها الجميع.
راجح المحوري