ليست كل الاحتفالات مجرد مناسبات عابرة، فبعضها يتحول إلى لحظة وطنية تختصر مشاعر الناس وتعيد إحياء ما ظن الجميع أنه خفت تحت ركام التعب والانقسام.
في مريس، لم يكن افتتاح مركز تجاري خاص، حدثاً اقتصادياً عادياً، بل بدا وكأنه استدعاء واسع لروح الجمهورية اليمنية، ومشهداً شعبياً أعاد للأذهان صورة الوطن الذي ما يزال حياً في وجدان أبنائه رغم كل الجراح.
هناك، في قلب الضالع، تحولت الأناشيد والفرح العفوي إلى رسالة سياسية ووطنية عميقة تقول إن اليمنيين، مهما فرقتهم الظروف، ما يزالون يجتمعون حول فكرة الوطن والجمهورية.
ومن بين القناديل المضيئة، والهتافات، والأغاني الوطنية، بدت مريس وكأنها تعلن بطريقتها الخاصة أن الأوطان لا تموت ما دام في الناس متسع للأمل، وما دامت الجمهورية قادرة على أن توحد القلوب قبل الصفوف.
“لمن كل هذه القناديل تضوي لمن
وهذه المواويل في العرس تشدو لمن
هل الأرض عاد لها ذو يزن
فعاد الزمان وعادت عدن
لمن، لمن، لأجل اليمن”
نعم .. لأجل اليمن، فليس ما حدث مجرد افتتاح عادي، ولا فعالية عابرة تنتهي بانتهاء الأضواء والأهازيج، بل كان مشهداً وطنياً مكثفاً، لحظة شعورية نادرة أعادت بعث الروح في زمنٍ أثقلته الحروب والانقسامات والتعب الطويل.
بدا الأمر مختلفاً تماماً، مدينة صغيرة بحجمها، كبيرة بدلالاتها، استطاعت أن تحوّل مشروعاً استثمارياً خاصاً إلى مساحة وطنية عامة، وإلى حالة شعبية تصرخ باسم الجمهورية اليمنية دون تكلف أو ضجيج.
هنا في الضالع لم يكن الاحتفال بالتجارة، بل بالوطن، ولم تكن القناديل المعلقة للزينة فقط، بل بدت وكأنها تضيء ذاكرة اليمنيين المثقلة بالحنين.
أما الأناشيد التي صدحت في المكان، فلم تكن مجرد فقرات فنية، بل استدعاءً عميقاً لفكرة اليمن التي يسكنها الناس رغم كل شيء.
“أيا وحدة الشعب حلم السنين
ويا قبلة الحب للعاشقين
أطلت على الأفق شمس لنا
تضيء الطريق وتمضي بنا”
مريس لم تتحدث كثيراً، لكنها قالت ما يكفي،
وهذه المدينة، كما عرفها الجميع، لا تتخذ موقفاً إلا وهي تدرك معناه، ولا تنحاز إلا لما تؤمن به.
ولهذا جاء تأثيرها مختلفاً، تأثير يصنعه الصدق لا الضجيج، والوعي لا الاستعراض.
فكيف استطاعت مريس أن تحوّل افتتاح مركز تجاري إلى نبض وطني حي؟
كيف نجحت في صناعة كل هذا التأثير دون حملات صاخبة أو شعارات مفتعلة؟
لأن الناس هناك لم يحتفلوا بمبنى جديد فقط، بل احتفلوا بإمكانية عودة الحياة نفسها.
احتفلوا بفكرة أن الوطن ما يزال قادراً على النهوض، وأن الجمهورية ليست مجرد ذكرى سياسية، بل شعور حي يسكن الناس ويظهر في تفاصيلهم اليومية، حتى في الأسواق والطرقات والأغاني.
لقد بدا المشهد وكأن صنعاء وعدن التقتا في الضالع، وكأن المدينة جمعت اليمنيين حول لحظة عفوية اختصرت معنى الانتماء كله.
“املأوا الدنيا ابتساماً
وارفعوا في الشمس هاماً
واجعلوا القوة والقدرة
في الأذرع الصلبة خيراً وسلاماً”
في وقت تشهد فيه المحافظة حراكاً عسكرياً وأمنياً واسعاً، وإعادة ترتيب واصطفاف وطني لافت، جاءت مريس لتقول إن معركة الوطن ليست بالسلاح وحده، بل أيضاً بإحياء الروح العامة، ورفع المعنويات، وإعادة ترميم العلاقة بين الإنسان ووطنه.
فالمدن لا تصنع تأثيرها بحجمها الجغرافي، بل بقدرتها على صناعة المعنى، وهذا ما فعلته الضالع.
لقد أثبتت أنها ليست محافظة على هامش الأحداث، بل مركزاً حقيقياً في الوجدان الوطني، وأنها تحمل هم الجمهورية بوعي عميق ومسؤولية واضحة.
ومن قلب مريس، ارتفع صوت مختلف،
صوت يقول إن الوطن، مهما أنهكته الجراح، سيعود.
وأن الجمهورية عهد لا يُخان، ولا يمكن التفريط به مهما تبدلت الظروف.
“سنحيا ونفنى لتبقى اليمن”
اللافت في المشهد أن الإجماع الذي صنعته المدينة لم يكن قائماً على المجاملات أو الاصطفافات المؤقتة، بل على شعور جمعي صادق بأن اليمن يحتاج اليوم إلى أي لحظة أمل، إلى أي مشهد يعيد للناس ثقتهم بأن هذا الوطن ما يزال حياً في قلوب أبنائه.
ولهذا بدت مريس وكأنها تعيد تعريف الوطنية بطريقتها الخاصة، وطنية لا تقوم على الشعارات العالية فقط، بل على القدرة في تحويل حدث بسيط إلى رسالة كبيرة، وتحويل افتتاح مشروع خاص إلى إعلان حب علني للجمهورية اليمنية.
حتى الجبال هناك بدت وكأنها تردد الهتاف،
والطرقات، والأشجار، والأنسام العابرة، كلها كانت تقول بصوت واحد .. تحيا الجمهورية اليمنية.
الضالع اليوم لا تطلب موقعها في المشهد الوطني، بل تفرض حضورها بالفعل والموقف والتضحية.
تداوي جراحها بالتمسك بالوطن، وتتجاوز أوجاعها بالإيمان بأن اليمن، مهما تعثر، لا يمكن أن يسقط من ذاكرة أبنائه.
من مريس تحديدًا، بدا المشهد وكأنه رسالة تقول .. إن الوطن قد يضعف، لكنه لا يموت، وأن الجمهورية ليست قابلة للمساومة أو النسيان، وأن الناس، مهما فرقتهم الحروب والمنافي والانقسامات، ما يزالون يبحثون عن وطن يجمعهم ويشبههم.
ودائماً ما نقول إن الأوطان تبدأ من الداخل .. اليوم أثبتت الضالع، بعفوية المشهد وعمق الرسالة، أن الوطن قد يبدأ أحياناً من مدينة صغيرة اسمها مريس.