روؤية ناقد أكاديميٌّ متكاملة، مبنية على المقارنة التطبيقية بين نموذج من كتابات الناقد الدكتور حسن علي الفقعاوي وبين منظوري ميخائيل باختين ونورثروب فراي، مع توثيق مرجعي داخل النص وإحالات نظرية:
الفصل التطبيقي
البنية الرمزية والأسطورة السياسية في خطاب الدكتور حسن الفقعاوي: مقاربة مقارنة مع باختين وفراي
تمهيد
يهدف هذا الفصل إلى تحليل نموذج تطبيقي من خطاب الدكتور حسن علي الفقعاوي النقدي، من خلال دراسته المعنونة: “البنية الرمزية والأسطورة السياسية في قصيدة طوفان الأقصى”، بوصفها نصًا نقديًا يمثل اتجاهًا تأويليًا رمزيًا يتعامل مع الشعر بوصفه بنية دلالية متحولة إلى خطاب أسطوري-سياسي. وينطلق هذا التحليل من مقارنته بمفهومي الحوارية عند باختين، والنقد الأسطوري عند نورثروب فراي، للكشف عن موقعه داخل الخريطة النقدية المعاصرة.
أولًا: البنية التأويلية في خطاب الفقعاوي
يُظهر خطاب الفقعاوي ميلًا واضحًا إلى تحويل النص الشعري إلى نظام رمزي مغلق نسبيًا، حيث يتم تفكيك الحدث السياسي (طوفان الأقصى) وإعادة تركيبه ضمن بنية أسطورية تقوم على ثنائيات كبرى: (الحق/الباطل)، (الطوفان/الفساد)، (الانبعاث/الدمار).
وفق هذا المنظور، لا تُقرأ القصيدة بوصفها خطابًا متعدد الأصوات، بل بوصفها رؤية كونية ذات مركز دلالي واحد. وهذا ما يميز خطابه عن النقد التفكيكي أو الحواري، لأنه يسعى إلى “تثبيت المعنى” أكثر من فتحه.
وقد أشار الفقعاوي في قراءته إلى أن الطوفان:
“ليس حدثًا طبيعيًا بل حركة تطهير تاريخية تعيد تشكيل الوعي السياسي للأمة”
عدن الغد
وهذا التوصيف يكشف انتقاله من التحليل الأدبي إلى التأويل الرمزي ذي البعد القيمي.
ثانيًا: المقارنة مع باختين (الحوارية وتعدد الأصوات)
يرى ميخائيل باختين أن النص الأدبي لا يحمل معنى واحدًا، بل يتشكل من تعدد أصوات متجاورة ومتفاعلة (Polyphony)، بحيث لا يهيمن صوت المؤلف على بقية الأصوات داخل النص.
عند إسقاط هذا المفهوم على قراءة الفقعاوي، نلاحظ ما يلي:
الفقعاوي يعترف بوجود أصوات متعددة (ديني، سياسي، وجداني)
لكنه يعيد دمجها داخل صوت تأويلي مركزي
مما يؤدي إلى تقليص التعدد لصالح وحدة دلالية
وبالتالي فإن الفرق الجوهري يتمثل في أن:
باختين: يترك المعنى مفتوحًا في حالة “حوار دائم”
الفقعاوي: يعيد “توجيه الحوار نحو نتيجة تأويلية محددة”
وهذا يعني أن النص في القراءة الباختينية يبقى فضاءً غير مكتمل، بينما في القراءة الفقعاوية يتحول إلى بنية مكتملة المعنى.
ثالثًا: المقارنة مع نورثروب فراي (الأسطورة والبنية الكلية)
في المقابل، يقدم نورثروب فراي تصورًا يرى الأدب باعتباره نظامًا من الأنماط الأسطورية المتكررة (Archetypes)، حيث تتكرر البنى السردية عبر التاريخ في أشكال رمزية ثابتة.
عند تطبيق هذا المنظور على خطاب الفقعاوي، نجد تقاطعًا واضحًا في النقاط التالية:
1. الطوفان بوصفه نموذجًا أسطوريًا
يتم التعامل مع “الطوفان” بوصفه:
رمز تطهير
لحظة انهيار نظام قديم
بداية نظام جديد
وهو ما ينسجم مع البنية الفرايية للأسطورة بوصفها دورة:
دمار و تطهير و انبعاث
2. تحويل الحدث السياسي إلى ملحمة رمزية
يُعيد الفقعاوي بناء الحدث السياسي ضمن:
ثنائية الخير/الشر
مركز أسطوري (القدس)
شخصيات رمزية (الأنبياء)
وهذا يقترب من تصور فراي للأدب بوصفه “أسطورة حديثة معاد إنتاجها”.
لكن الفرق الجوهري هو:
فراي: يبني نظامًا نقديًا تصنيفيًا شاملًا
الفقعاوي: يطبق قراءة تأويلية جزئية غير نسقية
رابعًا: تحليل تطبيقي للنص النقدي نفسه
عند تحليل مقاطع الفقعاوي، نلاحظ ثلاث آليات مركزية:
1. آلية التماثل الرمزي
حيث يتم تحويل عناصر سياسية إلى رموز:
الطوفان = الثورة / التطهير
الأقصى = مركز الوعي الحضاري
الصراع = ملحمة كونية
2. آلية التناص الديني
يستحضر النص شخصيات مثل نوح ويوسف ويعقوب، مما يحوّل النص إلى:
“فضاء أسطوري ديني متعدد الطبقات”
عدن الغد
3. آلية التوحيد الدلالي
رغم تعدد الرموز، يتم دمجها في رؤية واحدة:
الانتصار النهائي للحق
إعادة التوازن الكوني
وهذا يعيدنا إلى جوهر الاختلاف مع باختين.
خامسًا: التقييم النقدي المقارن
يمكن تلخيص موقع الفقعاوي في هذا الإطار كما يلي:
يقترب من باختين في إدراكه لتعدد الأصوات داخل النص
يقترب من فراي في تحويل النص إلى بنية أسطورية
لكنه يختلف عنهما في أنه:
لا يترك المعنى مفتوحًا (ضد باختين)
ولا يبني نسقًا تصنيفيًا شاملاً (ضد فراي)
وبالتالي يمكن وصف منهجه بأنه:
نقد رمزي-تأويلي ذو نزعة توحيدية، يميل إلى إنتاج معنى كلي أكثر من تفكيك المعنى أو تصنيفه
خاتمة
يكشف هذا التحليل أن خطاب الدكتور حسن علي الفقعاوي يمثل نموذجًا نقديًا يقع في منطقة وسطى بين النقد التأويلي والنقد الأسطوري، حيث تتداخل الرؤية الثقافية مع التفسير الرمزي، وتتحول القصيدة إلى خطاب حضاري ذي بعد قيمي.
ومع أن هذا المنهج يمنح النص عمقًا دلاليًا واضحًا، إلا أنه يظل مختلفًا عن المشروعين النظريين لباختين وفراي، لأنه يفتقر إلى:
التعددية المفتوحة (باختين)
والنسق البنيوي الشامل (فراي)
وبذلك يمكن اعتباره نموذجًا من النقد الثقافي التأويلي العربي المعاصر الذي يزاوج بين القراءة الرمزية والبعد الإيديولوجي للنص.
بقلم الناقد الأدبي
الدكتور حسن الفقعاوي