آخر تحديث :الأحد-17 مايو 2026-02:29ص

روح دفاعية

الخميس - 14 مايو 2026 - الساعة 10:32 ص
ناصر الوليدي

ليست المشكلة في كثرة النقد الموجَّه إلى المذهب السلفي؛ فالأفكار الحية عبر التاريخ لا تكاد تنفك عن سهام الخصوم، وإنما المشكلة حين يستقبل بعض المنتسبين إليها هذا السيل الجارف من الطعون بعقول غير محرِّرة، وبمعرفة مجتزأة، وبأدوات ضعيفة في فهم المصطلحات والمناهج والخلفيات الفكرية للمخالفين.

لقد اجتمع على نقد السلفية أطياف متباينة: العلماني، والشيعي، والأشعري، والمدرسة العقلية الحديثة، بل وبعض المدارس المنتسبة إلى السلفية نفسها، ثم جاء العصر الرقمي بما فيه من انفجار معرفي وثقافة عابرة للقارات، فاختلطت المفاهيم، وتضخمت الأصوات، وصارت مواقع التواصل ساحات مفتوحة للتنظير والتهييج وصناعة الانطباعات السريعة.

ومع بروز نماذج منحرفة تنتسب إلى السلفية — كالغلو التكفيري عند داعش والقاعدة، أو الجمود والإفراط في التبديع عند بعض التيارات المدخلية — صار كثير من الشباب السلفي يعيش حالة دفاع نفسي دائم، حتى وقع بعضهم في أسر الدعاية المضادة، يردد مقولات خصومه قبل أن يحرر محل النزاع، أو يضبط التعريفات، أو يعرف حقيقة المذاهب التي يناقشها.

فنتج عن ذلك جيل يحمل عبء “عقدة الذنب” أكثر مما يحمل روح الثقة العلمية؛ جيل يمارس جلد الذات بسياط صاغها له خصومه، ويعتذر عن تاريخه ومصطلحاته أكثر مما يشتغل ببناء المعرفة وتحرير الحقائق.

والمخرج من هذا كله ليس بالتشنج ولا بالإنكار العاطفي، وإنما بالتحرير العلمي، والعدل في النقد، ومعرفة المخالف من مصادره، وفهم الفروق بين المنهج والانحرافات التي قد تنتسب إليه زورًا أو غلوًا أو تقصيرًا.