آخر تحديث :الثلاثاء-12 مايو 2026-02:14ص

الموت يغتال حامي الوطن مرزوق وهو يطارد سراب راتبٍ لا يسد رمق أطفاله

الإثنين - 11 مايو 2026 - الساعة 10:39 م
صالح البخيتي

في فاجعةٍ تهز الوجدان وتدمي القلوب، وتلخص فصول المأساة التي يواجهها الإنسان اليمني في أوج أزمته، غيَّب الموت الشخصية الاجتماعية والعسكرية العقيد عبدالمولى يحيى مرزوق أحد أبناء منطقة رخمة بمديرية يافع رصُد بمحافظة أبين. رحل اليوم الإثنين، لا فوق سريرٍ وثير ولا في ساحة شرفٍ معتادة، بل سقط شهيداً للقمة العيش على رصيفٍ بارد في أحد شوارع محافظة لحج، وهو يلهث وراء حقٍّ بسيط لم يعد يكفي حتى ثمن كفنه.


لقد غادر هذا البطل الشامخ جبال يافع الرصينة، تاركاً خلفه قلوباً صغيرة كانت تترقب عودته، وعيوناً تلمع بالأمل في راتبه الشهري الذي انتظره طويلاً. خرج من منزل ابن أخيه في منطقة صبر والهموم تجثم على صدره كالجبال، ميمماً وجهه صوب مراكز الصرف ليقبض راتبه الشهري، كونه أحد حماة الوطن في السلك العسكري (الجيش اليمني). ذلك المبلغ الزهيد الذي لا يتجاوز مائة ألف ريال، وهو يعلم في قرارة نفسه أن غلاء المعيشة الفاحش قد التهم الراتب قبل أن يلمسه، لكنه كان يسعى لعلّه يعود بكسرة خبز أو حلمٍ صغير لأبنائه الذين ينتظرونه على أحر من الجمر.


وبين زحام المارة وضجيج المدينة، خانت العقيد مرزوق قواه؛ فلم يعد قلبه الذي اتسع للوطن قادراً على تحمل وطأة القهر والانتظار. سقط البطل مغشياً عليه وكأن الأرض ضاقت بما رحبت، وبينما كان أحد سائقي الحافلات يصارع الزمن لنقله إلى مستشفى ابن خلدون، كانت روح العقيد الطاهرة تودّع هذا العالم القاسي، ليلفظ أنفاسه الأخيرة غريباً عن داره، بعيداً عن أطفاله الذين ما زالوا يرقبون الباب بانتظار عودته.


أيُّ وجعٍ هذا الذي يجعل أبناء الوطن وحماة الوطن، ممن أفنوا أعمارهم في السلك العسكري، يموتون قهراً وهم يطاردون فتاتاً يسمى راتباً؟ رحل العقيد مرزوق تاركاً خلفه قائمة احتياجات منزلية لم تُقضَ،وغصّةً لن تندمل في قلوب أهله، وشاهداً حياً على زمنٍ يُعصر فيه الشرفاء بين فكي الحاجة وشرّ الألم.


لقد رحل الفقيد مرزوق بصمت الكبار، تاركاً خلفه سيرةً عطرة ودموعاً لا تجف وقصةً سيبكيها كُل من عرف أن هذا الرجل مات وهو يحاول فقط أن يكون أباً في زمنٍ استكثر عليه لقمة العيش.إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.