إن اللحظة الراهنة تمثل توقيتًا مناسبًا لإعادة ترتيب البيت الحضرمي، وهي فرصة ينبغي اغتنامها قبل أن تُترك حضرموت عرضة لموجة جديدة من الفوضى، وحينها سيكون الجميع شركاء في المسؤولية.
إن إعادة ترتيب البيت الحضرمي تبدأ بإعادة تعريف الأولويات، من خلال بناء مؤسسات قوية، وترسيخ سيادة القانون، وإحياء القيم الأصيلة التي تميز بها المجتمع الحضرمي، إلى جانب إشراك مختلف فئاته في مشروع وطني جامع لا يُقصي أحدًا. كما أن الحكم الذاتي، إذا أُحسن توظيفه، يمكن أن يشكل وسيلة لإعادة التوازن والاستقرار، لا مجرد شعار سياسي عابر.
لقد شكّل ضم حضرموت والمهرة وسقطرى عام 1967 من قبل مليشيات الجبهة القومية القادمة من جنوب اليمن نقطة تحول حادة في تاريخ حضرموت. إذ دخلت تلك القوى إلى حضرموت دون مراعاة لخصوصيتها الاجتماعية والثقافية، فبدأت مرحلة اتسمت بالاضطراب والعبث. ولم يقتصر الضرر على الجانب المادي فحسب، بل امتد إلى البنية الاجتماعية والقيمية، ما أدى إلى اختلال توازن المجتمع وتعطّل الكثير من أنظمته، وتشويه ملامح ذلك الإرث الحضاري العريق. ومع مرور السنوات، تراكمت آثار تلك المرحلة، حتى أصبح البيت الحضرمي يعيش حالة من التداخل بين الفوضى والإرث، وبين غياب النظام ومحاولات البقاء.
واليوم، ومع انحسار تلك المرحلة وظهور ملامح استعادة القرار والسيادة، يقف الحضارم أمام لحظة تاريخية فارقة. فلم يعد مقبولًا الاستمرار في تحميل الماضي وحده المسؤولية، أو تعليق الإخفاقات على الجنوب أو الشمال اليمني، بل أصبحت المسؤولية اليوم مسؤولية الحضارم أنفسهم، وأصبحت الفرصة متاحة لإعادة ترتيب البيت من الداخل، بإرادة صادقة ورؤية واضحة.
إن التحدي الحقيقي يتمثل في تجاوز الخلافات الضيقة، والتخلي عن المصالح الشخصية لصالح مصلحة حضرموت أولًا. فإعادة ترتيب البيت الحضرمي تتطلب تكاتف الجميع؛ من النخب والمثقفين والشباب، بحيث يؤدي كل فرد دوره من موقعه ومسؤوليته.
إنها فرصة ذهبية للنهوض من جديد، فحضرموت تمتلك من المقومات البشرية والوعي والخبرة ما يؤهل أبناءها لإدارة شؤونهم بكفاءة واقتدار. غير أن تحقيق ذلك يظل مرهونًا بصدق النوايا، ووضوح المشروع، والإيمان بأن بناء المستقبل يبدأ من الداخل.