نادي التلال، الذي تأسس عام 1905م، ليس مجرد نادٍ رياضي عابر، بل هو ذاكرة مدينة عدن، وعميد أندية الجزيرة العربية، والنادي الذي ارتبط اسمه بتاريخ الكرة اليمنية منذ بداياتها الأولى. التلال بالنسبة لكثير من أبناء عدن ليس فريقاً فقط، بل جزء من وجدان المدينة وحكايتها الرياضية والثقافية.
وأذكر جيداً أنه في مارس 2004، وعندما زار اليمن رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” آنذاك جوزيف سيب بلاتر، كان أول طلب له زيارة العاصمة المؤقتة عدن، وتحديداً نادي التلال الرياضي، إدراكاً منه لقيمة هذا النادي وتاريخه العريق الممتد لأكثر من 120 عاماً.
منذ العام 2014 توقف الدوري اليمني بسبب الحرب، وكانت آخر مباراة خاضها التلال في صنعاء قبل أن تدخل البلاد في نفق طويل ومظلم، توقفت خلاله الكثير من الأشياء الجميلة. وبسبب الخلافات والظروف التي يعرفها الجميع بين اتحاد الكرة وأندية عدن والجهات الرياضية، امتنعت أندية عدن عن المشاركة في بطولات الدوري التي كانت تُقام بنظام المجموعتين، وكانت النتيجة مؤلمة؛ هبط التلال وبقية أندية عدن إلى الدرجة الثانية، وخسرت فرصة المشاركة في البطولات الخارجية، بل وغاب لاعبو عدن عن المنتخب الوطني بسبب العقوبات التي فرضها اتحاد الكرة حينها.
أكثر من عشر سنوات مرت والتلال بعيد عن مكانه الطبيعي، وهي سنوات مؤلمة لنادٍ بحجم وقيمة وتاريخ “العميد”. عشر سنوات وهو يحاول البقاء والصمود وسط ظروف صعبة، بينما كان جمهوره يشاهد هذا التراجع بحزن كبير.
اليوم تلوح بارقة أمل جديدة بعد التوصل إلى اتفاق بين اتحاد الكرة وأندية عدن، يقضي بعودة التلال للمشاركة في كأس الجمهورية، على أن يبدأ من الدرجة الثانية ويقاتل للعودة إلى الدوري الممتاز بتاريخه وجهد لاعبيه وجماهيره.
القرعة الأخيرة وضعت التلال أمام فريق شباب عريب من مكيراس، واختار الفريق المنافس ملعب الظرافي في صنعاء لخوض المباراة، رغم أن بإمكانه اختيار ملعب أقرب مثل لودر، بل إن نادي شباب عريب نفسه كان يتمنى عدم موافقة التلال على اللعب في صنعاء. وهنا وجد التلال نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما خوض المباراة وفق لوائح البطولة، أو الانسحاب وخسارة فرصة العودة.
وهنا يجب أن يفهم الجميع حقيقة مهمة، وهي أن البطولة تقام تحت إشراف الاتحاد اليمني لكرة القدم وبرعاية مباشرة من الاتحاد الدولي “فيفا”. التلال ليس نادياً يفرض رأيه على المنظومة الرياضية كاملة، بل هو ملتزم بلوائح واضحة مثل بقية الأندية، وأي انسحاب دون مبرر قانوني قد يعرض النادي لعقوبات قاسية تبدأ بالغرامات ولا تنتهي بالإيقاف والحرمان. المسألة ليست مزايدات أو شعارات عاطفية، بل مستقبل نادٍ وتاريخ كرة مدينة كاملة.
لكن المؤسف أن البعض اختار هذا التوقيت لإعلان استقالته أو شن حملات اعتراض بسبب سفر بعثة التلال إلى صنعاء للمشاركة. نحترم كل الآراء، لكن السؤال المشروع: أين كانت هذه المواقف عندما كان التلال يصارع وحيداً في البطولات المحلية، ويخرج من المنافسات دون إنجازات؟ أين كانت هذه الأصوات عندما كان الفريق يخسر من أضعف الأندية ويعاني مالياً وفنياً؟ ولماذا لم نسمع نفس الاعتراضات عندما شاركت فرق عدنية أخرى، في ألعاب مختلفة، ببطولات أقيمت في صنعاء خلال السنوات الماضية؟
قضية الشهداء قضية مقدسة في قلوب الجميع، وكلنا نحترم دماءهم وتضحياتهم، لكن هل يكون الحفاظ على تلك التضحيات بقتل تاريخ نادٍ عمره 120 عاماً؟ الشهداء ضحوا من أجل أن تبقى عدن حية بمؤسساتها وتاريخها ورياضتها، لا أن نمحو كل شيء بأيدينا.
التلال أكبر من الأشخاص وأكبر من اللحظات العابرة. كان الأولى بالبعض أن يبحث عن المجد في حماية تاريخ هذا النادي العريق، لا في صناعة بطولات وهمية على حسابه. التلال ليس وسيلة لصناعة “الترند”، ولا سلماً للصعود نحو الشهرة المؤقتة، بل قيمة رياضية وتاريخية يجب احترامها.
دعوا التلال يعود تدريجياً، دعوه يستعيد عافيته ومكانته الطبيعية. دعوه يلعب بعيداً عن المزايدات والصراعات. فالتاريخ في النهاية سيكتب من وقف مع التلال في محنته، ومن حاول استغلال اسمه لتحقيق مكاسب شخصية.
وكلنا ثقة أن “العميد” سيعود إلى مكانه الطبيعي، بالميدان، وبالأخلاق، وبجمهوره الوفي.
✍️ منصور الرعيني
مشجع تلالي