د. نجيب خميس
خارطة إسرائيل الكبرى من النيل والفرات، ترسم حدود دولة وهمية تمتد من نهر النيل غربا حتى نهر الفرات شرقا، ومن جنوب تركيا شمالا حتى الكويت وشمال المملكة العربية السعودية جنوبا. هذه الخارطة مرسومة ضمنيًّا في علم الكيان الإسرائيلي، الذي تتوسط فيه نجمة داؤود خطين أزرقين يرمزان الى نهريّ النيل والفرات. هذه الخارطة منحوتة عند باب (الكنيست) وفي مداخل المدارس الدينية اليهودية.
والحقيقة هي أن هذه الخارطة إنما مستوحاة من أسطورة توراتية، مختصرها هو أن الله تعالى قد قطع عهدًا لسيدنا إبراهيم، بأن تكون هذه الأرض كلها لشعب (بني إسرائيل)، حينما يعودون يومًا إلى ارض الميعاد (فلسطين). وأما لماذا اقتضت الحبكة الأسطورية أن تصبح فلسطين بالذات ارض تجمع اليهود بالذات، فالتراث التاريخي اليهودي يقول أنه قد كان لليهود هيكلان مقدسان في القدس الشريف، وان البابليين دمروا أولهما ثم أتى بعدهم الرومان فدمروا الهيكل الآخر، وأن المسلمين من العرب قد اعتدوا لاحقَا على القبائل اليهودية في يثرب وشمالها، وبنوا مسجدهم الأقصى على انقاض هيكل اليهود في القدس.
وكما نرى، فالفكر الصهيوني لا يعترف بأحقية هذه الأرض إلا لأفراد طائفة دينية بعينها؛ أتوا إليها -من خارجها- وأقاموا فيها بشكل متقطع، ثم تركوها، أو أُرغموا على تركها، لتصبح في اعتقادهم -فيما بعد- ملكًا أبديًّا لهم، برّر لهم العودة إليها بعد نحو ألفيّ عام فاتحين ومحررين لها ممّن عاشوا فيها على امتداد التاريخ كله، فأسسوا فيها دولة أسموها (إسرائيل)، وأن هذا التأسيس لن يكتمل قبل إعادة بناء هيكلهم المزعوم في قدسها.
وحتى نفهم كيف تبلورت فكرة (إسرائيل الكبرى)، وكيف أصبحت فيما بعد مشروع فزاعة يحاول الصهاينة من خلالها كيّ وعي جيرانهم العرب وترهيبهم، سنقدّم بشكل مختصر أهم محطات قيام الكيان الصهيوني والظروف التي خدمت ذلك المشروع.
في أثناء الحرب العالمية الثانية، اصطفت القوى الصهيونية مع المحور الإمبريالي حينها في وجه محور النازية الألمانية. كان الصهاينة في ألمانيا ودول محورها بمثابة عيون وجواسيس وأدوات تخريب اقتصادي؛ مما أدى إلى مأساة تجميع اليهود في الدول الأوروبية التي اكتسحتها ألمانيا بداية تلك الحرب وتصفيتهم بالآلاف. استغل الإعلام الصهيوني والغربي الإمبريالي ارتكاب تلك الجرائم البشعة، ليجعل من أرقام الضحايا ملايين؛ مما ولّد لدى الرأي العام في أوروبا كلها وفي أمريكا الصدمة، ثم التعاطف اللامحدود مع اليهود. في هذه الظروف المواتية نضجت فكرة خلق وطن قومي لليهود، التي مهّد لها مؤتمر المنظمة الصهيونية العالمية في (بازل) عام 1897م ، وتلته موجات هجرة اليهود الأوروبيين وغيرهم إلى ارض فلسطين.
بعد انهيار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، فقد المسلمون السيطرة على ارض فلسطين. وخلال فترة ما بين الحربين، أصبحت فلسطين أرضًا تحت الانتداب البريطاني. في أثناء هذه الحقبة، تزايدت هجرات يهود العالم نحو هذه الأرض العربية بالذات. كانت بريطانيا قد وعدت الصهاينة حينها بالمساعدة على قيام وطن قومي لليهود (وعد بلفور عام 1917م)، ووضعت أمام قادة الصهاينة ثلاث خيارات لتأسيس ذلك الوطن القومي: إما في أوغندا أو الأرجنتين أو فلسطين، ودونما تردد وقع اختيارهم على فلسطين، مروجين بأنها ارض الميعاد بالنسبة (للشعب اليهودي)، وانها أرض بلا شعب، وان اليهود لا يخشون على أنفسهم من العرب ومن المسلمين، لكونهم (متخلفين وضعفاء)، ولن يقدروا على اليهود قط.
راقت تلك الفكرة لكل القوى الإمبريالية حينها، فألمانيا المنهزمة ومعها دول شرق أوروبا (بما يشمل روسيا الحالية)، وجدت بهذا المشروع تخليصًا لدولها من هذا الحضور الشاذ اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا.. ووجدت بريطانيا وأمريكا وفرنسا أن خلق دولة موالية للغرب في قلب العالم العربي الواعد بثروة النفط والغاز فكرة جيوستراتيجية هائلة.
انطلق تأسيس الدولة العبرية من تلك التجمعات السكانية (الكيبوتس) التي كان اليهود يقيمون فيها في فلسطين، ليوسعوها عن طريق هضم مدن و قرى فلسطين، مع طرد سكانها منها. اندلعت حينها حرب 1948م، التي انتصر فيها اليهود على جيوش العرب المسلحة بمعدات عسكرية خفيفة. من حينها، أصبحت دولة إسرائيل قائمة ومعترف بها دوليّا، ولكنها لم تكن تشمل بعد الضفة الغربية، التي ظلت تحت إدارة المملكة الهاشمية وبقيت غزة مع مصر.
بدأ المتخاذلون من العرب -بأنظمتهم الرجعية- ينسحبون من المعركة، ويقرُّون ضمنيًّا بحقيقة وجود هذا الكيان اللقيط. أتت حرب 1967م فكانت بمنزلة كارثة عظمى على العرب؛ إذ خسرت الأردن كل الضفة الغربية والقدس الشرقية، وخسرت مصر قطاع غزة وكل أراضي شبه جزيرة سيناء، وخسرت سوريا مرتفعات الجولان. من هنا بدأت مرحلة جديدة؛ تأسست بموجبها دولة شرق أوسطية عظمى في أحشاء الوطن العربي. عقب هذه النكسة، استعد جمال عبدالناصر وحافظ الأسد لحرب قادمة مع إسرائيل، ومع ذلك خسر العرب -بعد وفاة عبدالناصر- حرب 1973م، مع أن الحرب بدأت بتحرير سيناء وجزء من مرتفعات الجولان السوري، في حين أن النظام الأردني كان قد رفض الدخول في الحرب.
في هذه الحقبة، باتت الولايات المتحدة توثّق وتعمّق صداقتها وتحالفها الاستراتيجي مع هذا الكيان الجديد والقوي. وتناغمت هذه السياسة مع سيطرة وتحكم أمريكا بآبار النفط والغاز في كل منطقة الخليج، شماله وجنوبه، وأمّنت لها تواطؤ وخيانة الأنظمة العربية الخليجية والى جانبهم نظام الشاه في إيران، مع ضمان حياد تركيا العلمانية المتحالفة حينها مع إسرائيل عبر الراعي الأمريكي.
نشبت الحرب الأهلية في لبنان عام 1975م، وكان هدف إسرائيل منها هو إخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان واحتلال الجنوب. وفعلًا توسّعت حدود إسرائيل الشمالية حتى نهر الليطاني (حيثما هي اليوم)، وكان قد وصل جيشها حتى مشارف بيروت عام 1982م. وهنا لم تتدخل مصر عسكريّا، ولا الأردن، ولا أية دولة عربية باستثناء سورية ونظامها البعثي، مع الوقوف والدعم الرمزي من قبل العراق والجزائر واليمن بشطريه لمنظمة التحرير الفلسطينية، الفصائل اليسارية اللبنانية.
في عام 1982م تشكل حزب الله الذي قاوم الاحتلال الصهيوني في جنوب لبنان، حتى نجح في إبطاله عام 2000م. كان ذلك العام -تحديدًا- أول موعد لأول هزيمة رسمية تتلقاها إسرائيل على ارض عربية، وأن تجد نفسها مجبرة على التخلي عن أراضٍ احتلتها ثم انسحبت منها دونما ضمان معاهدة تطبيع مع لبنان العربي. وكان اجمل ما سمعنا حينها، مقولة حسن نصر الله في خطاب النصر من بلدة (بنت جبيل) المحررة: "هذا الكيان أوهن من بيت العنكبوت!"
لم يتوقف حزب الله عند تحرير جنوب لبنان وكان بإمكان قادته الفوز بالقلادات والميداليات الذهبية ثم الخلود للراحة، ولكنه صمم على دعم تأسيس وتسليح حركة حماس والتنسيق معها ومع بقية فصائل المقاومة الفلسطينية من أجل الاستمرار في مقاومة الاحتلال ومقارعة الاستسلام والتطبيع مع الكيان.
والان عودة الى الحاضر. بفعل الإعلام الانهزامي العربي، تمّت شيطنة ايران فأصبحت في نظر الرجعية العربية عدو رافضي وتاريخي للمسلمين في الخليج العربي بخاصة، وصُنِّف حزب الله ميليشيات إرهابية قتلت أبناء السنة في الحرب الأهلية السورية، وأُتُّهمت حركة حماس بأنها لا تراعي مصلحة الفلسطينيين، وأنها تتواطأ مع ايران ومع اليهود -على حد سواء- وأنها أصبحت بذلك خارجة عن الصف العربي! في موازاة ذلك، طبع العديد من الدول العربية مع الكيان الصهيوني، ودخل بعضها -وفي طليعتهم الأمارات العربية- في تحالفات إقليمية معه. ثم تحولت -مؤخرًا- سورية الصمود والمقاومة الى دولة مسالمة، لا تعارض التطبيع مع كيان إسرائيل، لو ضمن زعيمها الحفاظ على ماء وجهه، وإظهاره كمحرر ولو لنسبة ضئيلة من أراضي سورية المحتلة.
نظن اليوم بأن العرب والمسلمين عامة قد استفاقوا أخيرًا، وبدا لهم الفرق ما بين منبطح وبين مقاوم رغم المكنة الجبارة للإعلام الرجعي الذي يحاول شيطنة من يرفض التطبيع ولا يؤمن بالاستسلام. تركيا مثل ايران تمامًا، ومعهم باكستان، وصلت كل واحدة فيهم الى مستوى التكافؤ مع قدرات هذا الكيان الصغير مساحة وسكانًا. الشعبين المصري والأردني يقاومون دائما التطبيع والتصالح مع يهود إسرائيل. والمقاومة في غزة والضفة وجنوب لبنان لقنت العدو دروسًا قاسية -وبحسب إمكانياتها ورغم التخاذل العربي- خلال العامين الماضيين. وأخيرا ها هي ايران تتحدى استكبار أمريكا في الخليج العربي ولا تدينها تركيا ولا باكستان، عكس توقعات محور التطبيع والانبطاح.
ونعود إلى عنوان المقالة، الذي يبرزه السؤال المرعب والمقلق لراحة ورفاهية الكثير من المنبطحين؛ وهو: ما مدى واقعية قيام دولة إسرائيل الكبرى؟ شخصيًّا، سأكون أول المباركين لقيام هذه الدولة إن قامت. سيستحق اليهود -حقا- أن يخلَّدوا إلى الأبد لو انهم استطاعوا -وهم لا يتجاوزون 15 مليون يهودي في شتى بقاع الأرض- هزيمة مليارين من نعاج المسلمين، ويحتلون أراضٍ أو أجزاء من أراضٍ لتسع دول مسلمة.