كتب | عدنان بن عفيف :
بعضهم يتحدث اليوم عن “ذاكرة الجنوب” وكأن حضرموت كانت مجرد هامشٍ تابعٍ في دفتر الآخرين، لا أرضاً لها تاريخها السياسي والاجتماعي والاقتصادي المختلف قبل أن تُلحق قسراً بمشروعٍ أكبر منها وأبعد عنها.
المفارقة أن من يكتشفون “حضرمِيّتهم” متأخرين، يحاولون الحديث باسم حضرموت أكثر من أهلها أنفسهم، وكأن الهوية بطاقة موسمية تُستخرج عند الحاجة السياسية أو الخطابية.
حضرموت يا سادة لم تكن نسخة من عدن، ولا امتداداً أيديولوجياً لأحد.
حضرموت كانت مجتمعاً قائماً بذاته:
بتجاره، وعلمائه، وهجرته، وعلاقته المفتوحة بالعالم، قبل أن تأتي مرحلة حاولت فيها السلطة صبّ الجميع في قالبٍ واحد… فخسر الجميع، وخسرت حضرموت أكثر.
حين يتحدث البعض عن التأميم والمصادرة والخوف، فنحن في حضرموت لا نقرأ ذلك كفصلٍ نظري من “تاريخ الجنوب”، بل كذاكرة حقيقية غيّرت ملامح المجتمع:
أسر تفرقت، ورؤوس أموال هاجرت، وعلماء صمتوا، ومدينة كاملة تعلّمت كيف تخفض صوتها كي تنجو.
ولذلك، من الإنصاف أن تُقال الحقيقة كاملة:
حضرموت لم تعانِ فقط من التجربة الاشتراكية، بل عانت أيضاً من ذوبان صوتها داخل سردية جنوبية مركزية كانت تتحدث عنها أكثر مما تستمع إليها.
والأطرف أن بعض من يرفعون اليوم شعار “الذاكرة الجنوبية الواحدة”، لا يزالون يتعاملون مع حضرموت بالعقلية نفسها القديمة:
تُستخدم عند الحاجة، ويُتحدث باسمها، ثم يُطلب منها التصفيق فقط.
لكن الزمن تغيّر.
وحضرموت التي صبرت طويلاً، صارت أكثر وعياً بذاتها، وأكثر حساسية تجاه أي وصاية، مهما غلّفت بالشعارات أو العواطف أو الادعاءات الطارئة.
التاريخ يُكتب بالصدق لا بالحنين الانتقائي…
وحضرموت تعرف جيداً من كان يتحدث باسمها، ومن كان يتحدث عنها فقط.