آخر تحديث :الإثنين-11 مايو 2026-12:42م

حضرموت… حين تتحول الثروة إلى سؤال سيادة

الإثنين - 11 مايو 2026 - الساعة 09:52 ص
عدنان بن عفيف

ليست حضرموت مجرد محافظة واسعة على خارطة اليمن، بل معادلة جيوسياسية مكتملة الأركان، تختصر سؤال الدولة، وتكشف اختلالها في آنٍ واحد. هنا، حيث تتجاور الثروة مع الحرمان، والموقع مع التهميش، تتشكل مفارقة يصعب تفسيرها بغير منطق الصراع على النفوذ: لماذا حضرموت بالذات؟


تمتد حضرموت على مساحة تعادل ثلث اليمن تقريباً، بساحل مفتوح على بحر العرب، يضعها على تماس مباشر مع أحد أهم مسارات التجارة العالمية. هذا الامتداد يمنحها وزناً استراتيجياً يتجاوز حدودها الإدارية، ويجعلها بوابة بحرية محتملة لمشاريع كبرى، من الموانئ إلى الطاقة، في زمن تتسابق فيه الدول لإعادة تشكيل خرائط النفوذ البحري.


لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع هذا الحضور. فباطن حضرموت لا يقل أهمية عن ظاهرها؛ إذ تحتضن حقول النفط والغاز، وتمتلك مخزوناً واعداً من الثروات الطبيعية، إلى جانب إمكانات واسعة في الثروة السمكية والزراعة والسياحة. هذه التركيبة جعلت منها هدفاً دائماً لإعادة التموضع السياسي، حيث لا يُنظر إليها كمجال تنموي بقدر ما تُعامل كخزان موارد.


من هنا تبدأ العقدة، ففي الوقت الذي تتدفق فيه المحروقات من أراضي حضرموت إلى مناطق أخرى بصورة منتظمة، يعيش المواطن الحضرمي واحدة من أقسى أزمات الكهرباء في البلاد. ساعات انقطاع طويلة، صيف لاهب بلا طاقة، وخدمات تتآكل أمام أبسط متطلبات الحياة الحديثة. إنها ليست أزمة فنية عابرة، بل تعبير مكثف عن خلل بنيوي في إدارة الموارد وتوزيعها، حيث تتحول الثروة من رافعة للعيش الكريم إلى مصدر إضافي للضغط.


هذا التناقض لا يمكن فصله عن طبيعة التنازع على حضرموت، فهي بثقلها الجغرافي والاقتصادي أصبحت ساحة جذب لمراكز قوى متعددة، تتنافس على إدارتها أو التأثير في قرارها غالبا بعيدا عن أولويات أهلها، وهنا يتبدى السؤال الأكثر حساسية: من يدير حضرموت، ولصالح من؟


ورغم هذه التعقيدات، لا يمكن تجاهل الدور الإيجابي للأشقاء في المملكة العربية السعودية، الذين حافظوا على حضور داعم ومستمر، سواء عبر المنح النفطية أو المشاريع الخدمية والتنموية. هذا الدعم لم يكن هامشياً، بل شكّل في كثير من الأحيان خط الدفاع الأول أمام انهيار الخدمات، خصوصاً في قطاع الكهرباء، وأسهم في إبقاء الحد الأدنى من الاستقرار قائماً.


وفي السياق ذاته، تحمل التصريحات الأخيرة لعضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت الدكتور سالم الخنبشي دلالات لافتة، إذ تشير إلى إدراك متزايد لعمق الاختلالات القائمة، وإلى توجه نحو إعادة الاعتبار لدور السلطة المحلية في إدارة الموارد. كما تعكس هذه التصريحات محاولة لبناء معادلة أكثر توازناً بين الاستفادة من الدعم الإقليمي، وتوجيهه نحو مشاريع مستدامة تعالج جذور الأزمة لا مظاهرها.


غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تشخيص المشكلة، بل في كسر الحلقة التي أبقت حضرموت رهينة لهذا التناقض المزمن: ثروة بلا تنمية، وموقع بلا سيادة فعلية. فاستمرار هذا الوضع لا يهدد فقط استقرار حضرموت، بل يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً في ظل بيئة إقليمية لا تحتمل الفراغ.


حضرموت اليوم ليست مجرد جغرافيا متنازع عليها، بل اختبار لقدرة اليمن على إعادة تعريف علاقته بأهم أقاليمه. وإذا لم تُحسم معادلة الإدارة لصالح أبنائها، ضمن إطار دولة عادلة وشراكات إقليمية متوازنة، فإن السؤال سيبقى معلقاً: كيف يمكن لأغنى مناطق اليمن أن تظل الأشد عطشاً للكهرباء؟ وفي النهاية، ليست القضية أن حضرموت مهمة، بل أنها تُدار كما لو أنها ليست لأهلها، وهذا، بحد ذاته، جوهر الحكاية.