حين تُرتكب جريمة، ويكون وقعها كبيرًا على المجتمع، تتجه المشاعر نحو الغضب والرغبة في الانتقام، وهذا أمر طبيعي تفرضه الفطرة الإنسانية. لكن خطورة المجتمعات تبدأ حين يتحول الغضب إلى فوضى، وحين يأخذ الأفراد حق العقاب بأيديهم بعيدًا عن سلطة الدولة والقانون.
فمهما كانت الجريمة بشعة، ومهما كان المجرم مدانًا في نظر الناس، يبقى القانون هو الفيصل، وتبقى الدولة وحدها صاحبة الحق في تنفيذ العقوبة والقصاص. لأن العدالة لا تُبنى على الانفعال، بل على التحقيق والقضاء والإجراءات التي تحفظ الحقوق وتمنع الظلم والتجاوز.
إن السماح للأفراد أو الجماعات بممارسة القصاص خارج إطار الدولة يفتح بابًا خطيرًا للفوضى والثأر والانتقام الشخصي. فاليوم يُقتل مذنب، وغدًا قد يُظلم بريء، وحين تغيب هيبة القانون تتحول المجتمعات إلى ساحات تصفية حسابات لا إلى أوطان تحكمها العدالة.
الدولة لم تُنشأ عبثًا، وإنما لتكون المرجع الذي يحتكم إليه الجميع، القوي والضعيف، المظلوم والمتهم. ولذلك فإن احترام القضاء ليس دفاعًا عن المجرم، بل دفاع عن المجتمع كله، حتى لا يصبح الحكم للأهواء والانفعالات.
وقد يظن البعض أن أخذ الحق باليد يحقق العدالة السريعة، لكنه في الحقيقة يهدم أساس الدولة ويُضعف الثقة بالمؤسسات. فالعدالة الحقيقية ليست في سرعة العقوبة فقط، بل في نزاهتها وشرعيتها وصدورها من جهة مخولة بذلك.
إن قوة الدول لا تُقاس بعدد الغاضبين، بل بقدرتها على فرض القانون ومنع الفوضى. فحين يكون القانون حاضرًا، يأمن الناس على دمائهم وحقوقهم، أما حين يغيب، فلا أحد يضمن أن يكون الضحية القادمة بريئًا لا ذنب له.
ولهذا، فإن الواجب على الجميع أن يطالبوا بالعدالة، لا بالفوضى، وأن يساندوا قيام الدولة بدورها، لأن القصاص حق، لكنه حق لا يملكه إلا القانون، ولا تنفذه إلا الدولة.