آخر تحديث :الأحد-10 مايو 2026-02:42م

الفساد بوابة السلطة.. حين يصبح الناهب مؤهلاً للمناصب العليا

الأحد - 10 مايو 2026 - الساعة 01:04 م
عدنان زين خواجه

في بلدان يفترض أن تُبنى فيها الدولة على النزاهة والكفاءة، يتحول الفساد أحياناً إلى معيار غير معلن للصعود السياسي والاقتصادي، حتى يبدو وكأن الطريق إلى المناصب العليا لا يمر عبر خدمة الوطن، بل عبر استغلاله ونهب مقدراته. وهذه الصورة القاتمة أصبحت واقعاً يراه المواطن يومياً في اليمن، حيث تتكرر أسماء الفاسدين في واجهة المشهد، بينما يُقصى الشرفاء ويُحارب أصحاب الضمير.

لقد أصبح المواطن يشعر أن السيرة الذاتية للمسؤول الناجح ـ وفق معايير المرحلة ـ ليست قائمة إنجازات وطنية، بل سجل نفوذ وثروات وعلاقات ومصالح. فكلما ارتبط اسم المسؤول بصفقات مشبوهة أو ثراء مفاجئ أو استحواذ على المال العام، زادت فرص بقائه في دائرة القرار، وكأن الفساد شهادة امتياز تمنح صاحبها حق البقاء في أعلى هرم السلطة.

المفارقة المؤلمة أن من حافظوا على نظافة أيديهم ولم يلوثوا أنفسهم بالنهب والسمسرة غالباً ما يتم إبعادهم أو تهميشهم، لأن وجودهم يكشف حجم الانحدار الأخلاقي والإداري داخل مؤسسات الدولة. أما الذين تحولوا إلى مراكز قوى مالية وسياسية من أموال الشعب، فيُمنحون الحماية والمواكب والأطقم الأمنية، وكأن الدولة تسخر إمكانياتها لحراسة الفساد بدلاً من محاربته.

وفي أي دولة تحترم القانون، فإن ملفات الفساد الكبرى تقود أصحابها إلى ساحات القضاء، لكن المشهد اليمني يبدو مقلوباً؛ فبدلاً من محاسبة المتورطين في نهب الثروات العامة وإفقار الشعب، تتم مكافأتهم بالمناصب والأوسمة والنفوذ الأكبر. وهنا تتعمق أزمة الثقة بين المواطن والدولة، حين يرى أن من تسببوا في انهيار الاقتصاد وتجويع الناس ما زالوا يتحكمون بمصير الوطن وقراره السياسي والاقتصادي.

إن استمرار هذه المعادلة الخطيرة لا يعني فقط انتشار الفساد، بل يعني ترسيخ ثقافة تعتبر المال العام غنيمة، وتُشعر الأجيال القادمة بأن النجاح لا يتحقق بالعلم والعمل والنزاهة، بل بالولاءات والمصالح واستغلال النفوذ. وهذه أخطر نتائج الفساد، لأنه يتحول من ممارسة فردية إلى منظومة متكاملة تبتلع مؤسسات الدولة وتشل قدرتها على الإصلاح.

ولا يمكن لأي وطن أن ينهض في ظل غياب العدالة والمحاسبة. فالدول لا تُبنى بالفساد، ولا تستقر حين يتحول اللصوص إلى صناع قرار، بينما يعيش المواطن الشريف تحت وطأة الفقر والخوف والقهر. إن إنقاذ اليمن يبدأ من استعادة هيبة القانون، ومحاسبة كل من عبث بمقدرات الشعب، وإعادة الاعتبار للنزاهة والكفاءة باعتبارهما أساس أي دولة تحترم نفسها وشعبها.

ويبقى السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط كل يوم: إلى متى سيظل الشريف متهماً، والفاسد محصناً بالنفوذ