بقلم / غالب منصور
يمر الوطن اليوم بمرحلة هي الأخطر في تاريخه الحديث، ليس فقط بسبب الحرب والانقسام وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، بل لأن جوهر الأزمة أصبح أعمق من مجرد غياب الحلول أو نقص الإمكانيات فالحقيقة التي لم تعد خافية على أحد أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الإرادة الوطنية الصادقة القادرة على تحويل الأفكار والحلول إلى واقع عملي يعيد للدولة هيبتها وللمواطن كرامته واستقراره .
لقد أثبتت السنوات الماضية أن اليمن لا يعاني من فقر في العقول أو نقص في الكفاءات والخبرات، بل يمتلك من الطاقات البشرية والإدارية والسياسية ما يكفي لإخراجه من هذا النفق المظلم. غير أن حالة التشظي والصراع وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية جعلت كثيرًا من المبادرات والحلول تُهمل أو تُحارب لأنها لا تنسجم مع مصالح القوى المستفيدة من استمرار الفوضى والانهيار .
وفي ظل هذا الواقع المؤلم، أصبح المواطن اليمني يدفع الثمن الأكبر من حياته وأمنه ومعيشته ومستقبل أبنائه، بينما تتسع فجوة الثقة بين الناس والسلطة والأحزاب والقوى السياسية وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى مشروع وطني جامع يعيد توحيد الإرادة الوطنية ويضع مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات الضيقة والحسابات الشخصية .
إن التحديات التي تواجه اليمن اليوم، رغم صعوبتها، يمكن أن تتحول إلى فرص حقيقية للنهوض إذا وُجدت قيادة وطنية تمتلك الرؤية والمسؤولية والشجاعة لاتخاذ القرارات التي تخدم الشعب لا الأفراد، وتؤمن بأن بناء الدولة لا يتم بالمناورات السياسية أو الصراعات العبثية، بل بالعمل المؤسسي والشراكة الوطنية واحترام إرادة الناس .
ومن هذا المنطلق، يبرز دور المؤتمر الشعبي العام كتنظيم وطني يمتلك تجربة سياسية وإدارية واسعة، وكان حاضرًا في مختلف المراحل المفصلية التي مر بها اليمن فالمؤتمر، بما يملكه من قاعدة جماهيرية وكوادر وخبرات، يستطيع أن يقدم مشروع إنقاذ وطني حقيقي إذا ما توحدت قياداته وعادت الإرادة الوطنية الصادقة إلى مؤسساته بعيدًا عن الانقسامات وحسابات النفوذ .
غير أن نجاح أي تحرك سياسي أو وطني لن يتحقق بالشعارات والخطابات وحدها، بل يحتاج إلى مراجعة صادقة وشجاعة للماضي، وإلى عودة القيادات إلى الناس والاستماع لمعاناة القواعد والكوادر والمواطنين الذين أنهكتهم الحرب والفقر والانقسام فالمسؤولية الوطنية والأخلاقية اليوم تفرض على الجميع أن يكونوا جزءًا من الحل لا جزءًا من استمرار الأزمة .
إن الوطن لم يعد يحتمل مزيدًا من الصراعات أو التجارب الفاشلة وما يحتاجه اليمن اليوم هو إرادة وطنية حقيقية تؤمن بالدولة وتعمل من أجل الإنسان وتدرك أن إنقاذ الوطن مسؤولية جماعية لا تحتمل التأجيل أو المساومة .