في الدول التي تحترم اقتصادها، يُعتبر القضاء التجاري السريع شريان حياة للاستثمار، لأن التاجر لا يعيش على رأس المال وحده، بل يعيش على الوقت والثقة واستقرار السوق.
أما عندما تصبح القضايا التجارية سنواتٍ من التأجيلات والإجراءات البطيئة، فإن المحكمة لا تعود مكاناً لحماية التجارة، بل تتحول تدريجياً إلى مقبرة للاستثمار واستنزافٍ للتجار والاقتصاد معاً.
في كل دول العالم يُنظر إلى التاجر باعتباره محركاً للاقتصاد، لأنه لا يعمل لنفسه فقط، بل يخلق فرص عمل، ويحرك الأسواق، ويدفع الضرائب والرسوم، ويربط المنتج بالمستهلك، ويحافظ على دوران المال داخل الدولة. ولهذا تحرص الدول على حماية البيئة التجارية وتوفير قضاء سريع وعادل يحفظ الحقوق ويمنع انهيار الأنشطة الاقتصادية.
أما عندما يصبح التقاضي التجاري بطيئاً وممتداً لسنوات، فإن الضرر لا يتوقف عند حدود الخصومة بين تاجرين، بل يمتد ليصيب الاقتصاد الوطني كله.
في اليمن اليوم، كثير من التجار لا يخافون من الخسارة التجارية بقدر خوفهم من الدخول في نزاع قضائي طويل قد يستهلك أعمارهم وأموالهم قبل صدور الحكم. فالقضية التجارية التي يُفترض أن تُحسم خلال أشهر، قد تمتد لسنوات بين التأجيلات والخبرات والإجراءات المعقدة، بينما التاجر يواجه التزاماته اليومية دون رحمة.
وخلال هذه السنوات تتراكم الإيجارات، والمرتبات، والديون، والالتزامات البنكية، وتتوقف حركة البيع والشراء، ويبدأ العملاء والموردون بالابتعاد، فتضعف السيولة ويقترب النشاط التجاري من الانهيار التدريجي.
وعندما يسقط التاجر لا يسقط وحده.
تُغلق المحلات والمخازن، ويُسرّح الموظفون والعمال، وتتوقف سلاسل التوريد، وتزداد البطالة، وتضعف القوة الشرائية، ويتراجع الاستثمار، ويفقد السوق ثقته بالبيئة التجارية والقضائية معاً.
وهكذا تتحول أزمة قضية تجارية واحدة إلى أزمة اقتصادية تمس المجتمع بأكمله.
إن البطالة في كثير من الأحيان لا تنتج فقط عن غياب المشاريع، بل تنتج أيضاً عن فشل حماية المشاريع القائمة. فكل تاجر يتعثر بسبب بطء القضاء يعني فقدان وظائف جديدة كانت ستُخلق مستقبلاً، وفقدان وظائف قائمة بالفعل.
ولهذا فإن إصلاح القضاء التجاري ليس مطلباً خاصاً بالتجار وحدهم، بل قضية وطنية مرتبطة بحماية الاقتصاد ومحاربة البطالة والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
إن المستثمر المحلي أو الخارجي عندما يرى أن النزاعات التجارية تستمر لسنوات، فإنه سيتردد في ضخ أمواله داخل السوق، لأن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان وسرعة استرداد الحقوق. أما البيئة التي تتعطل فيها العدالة، فهي بيئة طاردة للاستثمار مهما كانت الفرص الاقتصادية فيها كبيرة.
المطلوب اليوم إصلاحات حقيقية وجادة، أهمها:
1- تحديد مدة زمنية ملزمة للفصل في القضايا التجارية لا تتجاوز السنة .
2- تقليل التأجيلات غير الضرورية للجلسات .
3- تطوير المحاكم التجارية رقمياً.
4- تفعيل التحكيم والصلح التجاري.
5- مراقبة أداء القضاة والخبراء من محامين ومحاسبين قانونيين .
6- تسريع تنفيذ الأحكام التجارية.
فالعدالة البطيئة لا تقتل التاجر فقط، بل قد تقتل الاقتصاد معه.
وإذا كانت الدول تُقاس بقوة اقتصادها، فإن قوة الاقتصاد تبدأ من وجود قضاء سريع يحمي الحقوق، ويمنح الثقة، ويمنع انهيار المشاريع، ويحافظ على فرص العمل.
إن إنقاذ التاجر اليوم هو في الحقيقة إنقاذ للاقتصاد، وإنقاذ للاقتصاد هو إنقاذ للمجتمع كله.