آخر تحديث :الأحد-10 مايو 2026-12:20ص

لماذا لا يقاضي نبيل شمسان خصومه؟

السبت - 09 مايو 2026 - الساعة 09:25 م
أحمد الذبحاني

بقلم: أحمد الذبحاني
- ارشيف الكاتب


تعز المدينة التي اعتادت أن تحمل وجعها على أكتافها وتمضي ، حيث الحرب لم تترك بيتاً إلا وأثقلت روحه ، والحصار لم يبق باباً إلا وطرقته المعاناة ، يصبح المسؤول في مواجهة يومية مع غضب الناس وأسئلتهم وانتقاداتهم وأحياناً مع الألفاظ الكلمات التي تتجاوز حدود النقد إلى الاتهام والإساءة والتجريح


وبهذا المشهد المتشابك يتساءل ويفرض نفسه ، ماذا لو قرر محافظ محافظة تعز الأستاذ نبيل شمسان ، أن يفتح أبواب القضاء في وجه كل من يسيء إليه أو يتهمه أو يحمله أعباء المدينة كلها أو يهاجم قيادة السلطة المحلية بكل ما تحمله الكتابات من غضب وانفعال واتهامات؟


ربما لو اختار هذا الطريق لامتلأت أروقة المحاكم بعشرات القضايا ولازدحمت مكاتب النيابات بالشكاوى ، وربما وجد كثيرون أنفسهم أمام مسارات قانونية طويلة ، لا لشيء سوى لأنهم كتبوا أو غضبوا أو أفرغوا احتقانهم بلغة قاسية


لكن ما يلفت الانتباه حقاً

أن الرجل اختار طريقاً مختلفاً ؛ طريق الحكمة لا الخصومة ، وطريق الدولة لا الانفعال ، وطريق الاتساع لا الضيق ، لأن الكبار لا يقاسون بسرعة ردود أفعالهم ، ولا بقدرتهم على ملاحقة خصومهم ، بل بمقدار ما يملكون من صبر وحكمة واتساع الصدر


ما يجعل القائد كبيراً ليس غياب النقد عنه ، إنما سعة صدره أمامه ، وما يمنح المسؤول مسؤوليته الحقيقية ليس استخدام أدوات الردع ، بل قدرته على التحمل وضبط النفس والنظر إلى الصورة الكبرى بعين رجل الدولة ، لا بعين الشخصنة والانتصار للنفس ، بل بصورة القائد الذي يكبر كلما اشتدت عليه الحملات ، يزداد هدوءاً كلما علت الأصوات وكأنه يؤمن بأن المسؤولية الحقيقية تقتضي الصبر أكثر مما تقتضي الرد


بالتأكيد يبدو نبيل شمسان أقرب إلى صورة القائد الذي يدرك ثقل المسؤولية ، ويعرف أن الجلوس على كرسي المحافظة بتعز ليس امتيازاً بقدر ما هو امتحان يومي للصبر والتحمل ، وأثبت في كثير من المحطات أنه لا يتعامل مع النقد مهما اشتد بوصفه معركة شخصية ، ولا ينظر إلى الإساءة باعتبارها مبرراً لاستخدام أدوات السلطة أو القانون للانتقام أو التضييق ، بل يتعامل معها بوصفها جزءاً من طبيعة مدينة استثنائية ، مدينة لا تجيد الصمت حين تتألم ، ولا تعرف سوى التعبير عن غضبها حين تضيق بها الحياة


فتعز ليست مدينة عادية إنها مدينة أرهقتها الحرب ، وأثقلها الحصار الذي فرضته مليشيات الكهنوت ، وأرهقتها قلة الإمكانيات ، وغياب الخدمات ، والانهيار الاقتصادي ، وضيق العيش الذي أنهك الناس حتى صار الغضب جزءاً من تفاصيل يومهم ؛ وفي مثل هذه الظروف يدرك المسؤول الحكيم أن كثيراً مما يكتب لا يعبر بالضرورة عن خصومة شخصية ، بل عن ألم عام ، وعن مواطن أنهكته الحياة فوجد في الكلمات متنفساً لوجعه


وربما تكمن حكمة نبيل شمسان في إدراكه العميق لطبيعة المجتمع بتعز ، ذلك المجتمع الذي يعشق الحرية ويرى في الكلمة مساحة للتنفيس والاعتراض والنقد ، حتى وإن تجاوز البعض أحياناً حدود الإنصاف أو الاعتدال ، فبدلاً من أن يدخل في معارك جانبية أو يحول النقد إلى خصومات ، اختار أن يترفع وأن يمنح الناس مساحة للتعبير ، مدركاً أن صلب الاحتواء أحياناً أكثر قوة من المواجهة


بالتالي فأن فرض المسؤول نفسه لا تصنع بالخوف ولا بعدد من تمت ملاحقتهم أو إسكاتهم ، وإنما تصنع بالحكمة والقدرة على الاحتمال والاحتواء والتمييز بين من ينتقد بدافع الحرص ، ومن يسيء بدافع الانفعال ، وبين من يتحدث من موقع الألم ، ومن يكتب تحت ضغط المعاناة

والكبار في نهاية المطاف لا ينشغلون بصغائر الخصومات لأنهم يدركون أن المناصب تزول وأثر الحكمة يبقى


ولعل أكثر ما يجعل نبيل شمسان يكبر في نظر كثيرين أنه لم يجعل من موقعه منصة للخصومة ، ولم يحول السلطة إلى وسيلة للرد الشخصي رغم ما يواجهه من حملات وانتقادات وأحكام قاسية ، وبدا في كثير من الأحيان كمن يفضل أن يتحمل الضجيج على أن يضيق على الآراء أو المجتمع وأن يتسع صدره لغضبهم حتى وإن أصابته كلماتهم بالخروج عن المألوف الحاد ، يظل كبيراً ومترفعاً عن الصغائر


فالقائد الحقيقي لا تثبته لحظات الحكمة والاتزان والتقبل والقوة فقط ، فتثبته أيضاً لحظات الصبر ، والزعيم والسلطان الحكيم ليس من ينتصر لنفسه كل يوم ، بل من يعرف متى يتجاوز ، ومتى يحتمل ومتى يضع مصلحة المدينة فوق ضجيج الخلافات


اذاً يثبت نبيل شمسان سواء اختلف معه البعض أو اتفقوا ، يظل رجل اختار أن يحكم بعقل الدولة ، لا بردة فعل الغضب ، وأن يكبر بالحكمة كلما صغرت حوله الخصومات ، وهذا يجب أن نتحدث؟ لماذا لا يقاضي نبيل شمسان خصومه.