لم تكن هناك دولة للجنوب العربي قبل الاستقلال؛ والإتحاد الذي كونه المستعمر وأعلن عنه في يوم 11 فبراير عام 1959 - وقد تم تحويل ذلك اليوم إلى يوما للشهداء بعد الاستقلال - لم يكن دولة.
فقد كان الإتحاد كيانا محليا خالصا؛ ولم يكن دولة حتى يطالب البعض باستعادتها؛ وندعوهم هنا للأخذ بحقائق ومنطق التاريخ وشواهده الواقعية.
وهناك اليوم أيضا ومع الأسف من يحاول خلط الأمور؛ ويذهب بهم الأمر للقول بأن حضرموت والمهرة وغيرهما لم تكن ضمن الجنوب العربي؛ وهذا منافي للحقيقة لأن كل الكيانات المحلية من سلطنات وغيرها كانت ضمن مفهوم وإطار الجنوب العربي الجغرافي والسياسي.
وتخضع أيضا لسياسة المستعمر ووفقا لقواعد الحماية البريطانية؛ بما في ذلك من إلتزامات بريطانية - مالية وعسكرية - متعددة الأوجه تقدم للمحميات الشرقية والغربية على حد سواء.
وهي التي جعلت الخضوع للقرار البريطاني أمرا واقعا؛ مع وجود مكاتب الإستشارة الدائمة في تلك التي لم تكن فيها قواعد عسكرية..
وللعلم حتى المراسلات الرسمية لها كانت الديباجة لبعضها تكتب في الأعلى الجنوب العربي وتحت يكتب : الدولة القعيطية أو اللحجية وكذا وكذا من السلطنات والإمارات؛ وكانت العملة واحدة وغير ذلك الكثير..
وعدن مثلا لم تدخل الإتحاد مباشرة لأن الإنضمام إليه كان طوعيا فهل كانت غير جنوبية قبل دخولها الإتحاد؟ بل كانت عاصمة لكيان الإتحاد ( مدينة الإتحاد ) الشعب حاليا ..
وقد بدأ الإتحاد بعدد محدود ثم توسع تدريجيا؛ وقد أنضمت عدن إليه في يناير 63 وقد تغير اسمه بعد دخولها من ( إتحاد إمارات الجنوب العربي إلى إتحاد الجنوب العربي ) وأنضمت سلطنة الواحدي في 64، وعمليا سقط الإتحاد رسميا وتلقائيا عند تحقيق الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر عام 67 ..
*تاريخ الجنوب لا يقبل العبث والتوظيف السياسي*
فمع الأسف هناك من يروج وبخبث بأن شرق الجنوب ليس جزءا منه ولأهداف سياسية تخدم أجندات ومشاريع سياسية معادية للجنوب؛ وهناك من يطرح ذلك دون فهم أو إدراك للحقائق التاريخية.
ومع الأسف أيضا يقع الكثيرون في هذا الخلط وقد كتبتا كثيرا وأوضحنا مرارا وفعل ذلك غيرنا أيضا؛ بأن أول دولة في كل تاريخ الجنوب الممتد قد كانت دولة الاستقلال في 30 نوفمبر 67 وبمسمى جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية؛ واليمن صفة جهوية وجغرافية - كما نشأت تاريخيا - وليس اسما لشعب معين أو تجسيدا لهوية محددة -.
ولسنا هنا في وارد التقييم التاريخي لمدى صحة وصواب التسمية من عدمه؛ ولا عن الملابسات والظروف والأسباب التي أدت لإختيار اسم الدولة حينها.
ولكن ذلك وفي كل الأحوال لا يتناقض مع قيام الدولة المستقلة للجنوب التي أعترف بها العالم وتعامل معها بتلك التسمية.
وهي الدولة التي وضعت الجنوب على خارطة المجتمع الدولي لأول مرة في تاريخه كدولة وطنية مستقلة؛ ووصلت بحكم حضورها الفاعل دوليا إلى العضوية غير الدائمة لمجلس الأمن الدولي عام 1989.
وقد كانت تمثل شعبا حرا مستقلا وقائما بذاته وبهويته التي لم تشطب بنتيجة الاسم الذي حملته دولة الاستقلال الوليدة؛ لأنها كانت مستندة على كامل مقوماتها التاريخية والحضارية المسكونة في وجدان الناس وضميرهم الوطني؛ وتقف ثابتة على أرضهم وكامل جغرافيتهم؛ وكانت دولتهم كاملة السيادة ولم تكن ملحقة بدولة أخرى.
*لا للقفز على التاريخ وتجاهل حضوره*
ولذلك فإن القفز على هذه الحقيقة التاريخية إنما يمثل إنكارا لمرحلة تاريخية بالغة الأهمية؛ وطنيا وسياسيا وتاريخيا من تاريخ شعبنا الجنوبي.
ونذكر هنا وعلى سبيل المثال بأن تنظيم الجبهة القومية والتي كانت رائدة للكفاح المسلح؛ قد ضمت في صفوفها مناضلين من كل المناطق والسلطنات بما فيها حضرموت والمهرة.
وقد كان يجمعهم الهدف والمصير المشترك الواحد؛ وهو تحرير الجنوب من أقصاه إلى أقصاه من المستعمر البريطاني وإنتزاع الاستقلال الوطني حتى قيام دولة كل الجنوبيين وعلى كامل الخارطة الجغرافية للجنوب وهو ما تحقق في 30 نوفمبر 1967..
لذلك لا ينبغي أن ندخل في جدل سياسي أو تاريخي عقيم وعبثي في هذه المرحلة التي تطلب وحدة الصفوف والتركيز على حماية مشروعنا الوطني من المؤامرات التي تستهدفه وما أكثرها .
فلنستعيد دولتنا أولا ومن ثم نختار لها الاسم الذي تقرره هيئاته الوطنية؛ أو عبر إستفتاء شعبي ووفقا للخيارات التي تضمنتها وثائق المجلس الانتقالي الجنوبي؛ والميثاق الوطني الجنوبي كذلك ومخرجات اللقاء التشاوري أو تسميات أخرى قد تطرح؛ وحينها لكل حادث حديث.
وبقي لنا أن نعرف بأن جامعة الدول العربية تضم 22 دولة في عضويتها ولا تحمل صفة العربية منها غير 5 دول فقط؛ فإذا سميت الدولة بعد استعادتها بدولة حضرموت الإتحادية؛ - وقد أقترحنا مثل هذه التسمية قبل سنوات - فهل تسقط بذلك هويتنا العربية وإنتماءنا للعروبة ؟.